Search

تطور الثقافة المرتبطة بالبحر 1 – الإبحار (1)

الثقافة/الحضارة التي وجدت على أرض البحرين ارتبطت باقتصاديات مختلفة, كالزراعة, والصيد البري و الصيد البحري, و الغوص بحثا عن اللؤلؤ, و التجارة البحرية, بالإضافة لتطور العديد من الحرف اليدوية التي كانت تساهم في تطور و رقي المجتمع, سنبدأ بالحديث أولا عن تلك الثقافة التي ارتبطت بالبحر كتطور طرق الإبحار و تكون التجارة البحرية و طرق صيد الأسماك, و طرق الغوص و كيف تطورت و كيف تطورت القوانين و التشريعات التي ارتبطت بتلك الحرف.

تطور وسائل الإبحار

          الحضارة التي نشأت على أرض البحرين كان لابد لها أن ترتبط بالبحر كون البحرين جزيرة صغيرة, و لا بد أن تكون لتلك الحضارة ثقافة أو مجموعة من المعلومات و الأفكار التي أدت لتطوير العلاقة بين الإنسان و البحر. بدأ الإنسان القديم بالإبحار في البحر بواسطة أبسط التقنيات و هي استخدام الطافيات, بمعنى أي شيء يمكنه أن يطفو على سطح البحر, كقطعة خشبة أو رزمة من القصب أو جريد النخل أو حتى القربة التي تصنع من جلد الحيوان فقد كانت تنفخ و تستخدم لركوب البحر. و من ثم تم استخدام أكثر من رزمة من القصب أو جريد النخل, و حينها لم يكن من الصعب أن يتوصل الإنسان لتركيب تلك الرزم في شكل معين أو استخدام أخشاب و بذلك بدأ التطور في الإبحار, ويمكننا الاستنتاج من الدراسات العديدة التي درست تطور الإبحار في الخليج العربي أن هناك نوعان من التطور, النوع الأول من التطور هو تطور متدرج حسب الأغراض, فكانت البداية بالطافيات, تلا ذلك ظهور الأطواف أو الرماثين ثم الزوارق الشجرية ثم الزوارق المصنوعة من القصب أو جريد النخيل وصولا للقوارب و السفن الخشبية ثم وصلت لذروة التطور في الوقت الراهن. و لكل نوع من الأنواع السابقة غرض معين فلم يؤدي ظهور النوع الأحدث لاندثار النوع الأقدم منه, و بذلك يمكننا العثور في فترة زمنية معينة جميع تلك الأنواع من القوارب بدءا من الطافيات و انتهاء بالسفن.

أما النوع الثاني من التطور في سبل الإبحار فقد كان في ضمن النوع الواحد, أي أن هناك خط تطور في الطافيات, خط تطور للأطواف و كذلك للأنواع الأخرى, و عليه وجب أن نتناول كل نوع بصورة مفردة ليمكننا توضيح عملية التطور.

1 – الطافيات : القربة مثالا

          من أنواع الطافيات التي استخدمت في الخليج العربي و استمرت حتى عهد قريب هي القربة, و هي عبارة عن جلد أحد أنواع الماشية تخاط و تستخدم ككيس أو زق يحفظ به الماء, و لكنها أيضا كانت تنفخ و تربط و يركب عليها للإبحار. و قد كانت القربة ممثلة في العديد من الرسوم على جدران القصور الآشورية بدئا بحكم آشورناصربال الثاني (883 ق. م. – 858 ق. م.) حتى حكم آشوربانيبال (669 ق. م. – 633 ق. م.). في إحدى تلك الرسوم يمكن مشاهدة جنود ينفخون القربة وآخرون يسبحون عليها (صورة رقم 1). وقد استمرت هذه الطريقة حتى مجيء العرب. و قد أستوحى العرب من ذلك المشهد قصة طريفة أصبحت بعدها مثلا مشهورا عاش حتى يومنا هذا, يقول المثل “يداك أوكتا وفوك نفخ”, أما القصة فهي كالتالي:

          كانت جزيرة من إحدى جزائر البحر في الدهر الأول ودونها خليج من البحر، فأتاها قوم يريدون أن يعبروها فلم يجدوا معبراً، فجعلوا ينفخون أسقيتهم ثم يعبرون عليها، فعمد رجل منهم فأقل النفخ وأضعف الربط، فلما توسط الماء جعلت الريح تخرج حتى لم يبق في السقاء شيء، وغشيه الموت فنادى رجلاً من أصحابه أن يا فلان إني قد هلكت. فقال: ما ذنبي يداك أوكتا وفوك نفخ فذهب قوله مثلاً. أوكيت رأس السقاء إذا شددته وقال بعض الشعراء:

دعاؤك حذر البحر أنت نفخته         بفيك وأوكته يداك لتسبحا

          الرواية تختلف في تفاصيلها من مرجع لآخر لكن المشهد واحد و هو استخدام القربة أو الساقية لعبور البحر.

أجيوس (2008م) في كتابه عن السفن الإسلامية القديمة يتحدث عن استمرار استخدام القربة كوسيلة إبحار في البحرين و عمان و العراق حتى بداية القرن العشرين, و تشير بعض التقارير عن تطور الطريقة في عمان و ذلك بنفخ قربتين ووضع قطع من الخشب عليها حيث يتم الجلوس عليها, و قد وصفت هذه الطريقة في منتصف القرن العشرين في عمان.

2 – الأطواف و الرماثين

          يقال الطوف و الجمع أطواف و رمث و الجمع رماثين و هي تعتبر من أنواع الطافيات و لم يرد تقرير عن استخدامها في مياه الخليج العربي, وجاء عنها في المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام:

          و”الطوف” قرب ينفخ فيها ويشد بعضها الى بعض، فتجعل كهيئة السطح يركب عليها في الماء ويحمل عليها الميرة والناس، ويعبر عليها، وهو الرمث. وربما كان من خشب والجمع أطواف. وذكر بعض العلماء أن الطوف التي يعبر عليها الأنهار الكبار تسوى من القصب والعيدان يشدّ بعضها فوق بعض، ثم يقمط بالقمط حتى يؤمن انحلالها ثم تركب ويعبر عليها، وربما حمل عليها الحمل على قدر قوته وثخانته. والرمث خشب يضم بعضه إلى بعض كالطوف ويركَب عليه في البحر”.

3 – قوارب القصب و قوارب الجريد

          استخدم القصب في بناء قوارب صغيرة في العراق منذ القدم, وبسبس عدم توفر القصب المناسب لصناعة القوارب في مناطق أخرى من الخليج تم استخدام جريد النخل و هو سعف النخيل بعد تجريده من الخوص. و قد وردت إشارات تدل على استخدام الجريد في صناعة القوارب في حضارة الرافدين في الألف الثالث قبل الميلاد إلا أنه لم يحدد ما إذا كان القارب يبنى بأكمله من جريد النخل و لكن نجاح هذه القوارب و انتشارها في الخليج العربي و استمرارها فترة طويلة من الزمن يجعلنا نرجح أنها عرفت منذ تلك الحقبة القديمة. تعرف هذه القوارب التي تصنع من الجريد و الحبال في الكويت و قطر باسم ورجية و وريية, و تسمى في البحرين واريية و فرته حيث تتركز صناعتها في قرية المالكية و تعتبر من الصناعات المندثرة حاليا. و تعرف الورجية في عمان باسم الشاشة. يذكر أنجيوس في كتابه الموسوعي عن السفن الإسلامية القديمة أن الاسم ورجية ورد بصورة محرفة عند بعض الكتاب العرب في القرن العاشر الميلادي فقد ذكر المقدسي الاسم ولاجية بينما أبو القاسم البغدادي الاسم ورحية.

تبدأ صناعة الورجية أو الشاشة بترقيق رؤوس الجريد و تشذيبها ثم سلكها في الحبال واحدة تلو الأخرى حتى يكتمل بناء الهيكل و الذي يبدأ بالقاعدة (القاعة) و التي تكون عريضة من الوسط و صغيرة ملتمة من المقدمة و المؤخرة. عقب الانتهاء من نظم العدد المطلوب من الجريد للقاعدة يتم توثيقها بأعواد خشبية على نحو عرضي تسهم في تماسك الجريد و ضبطه من الحركة. عقب ذلك ترفع المقدمة و المؤخرة للأعلى بواسطة أعمدة خشبية في حين يوضع في وسط القاعدة أشياء ثقيلة مثل الأحجار و أكياس الرمل و تترك لمدة أيام و ذلك بهدف إعطاء القاعدة شكلا مقوسا يساعد القارب فيما بعد على شق المياه و عبوره بسهولة و يسر. و بعد الانتهاء من تشييد القاعدة يبدأ بناء الدفتين اليمنى و اليسرى. و كما حدث مع القاعدة توثق الدفتان كذلك بالأعواد الخشبية التي تظهر من الجانبين للأعلى حيث يكون اثنان منهما (واحد في كل جهة) عادة أقوى و أسمك من الأخرى إذ أنهما يستخدمان لتثبيت المجاديف عند الإبحار على القارب. و عند بناء الدفتين يبدأ عادة بإنشاء النصف الأسفل من الارتفاع الكلي حتى يتم تشكيل الحوض السفلي الذي يحشى بقطع مختلفة الأحجام من الفلين ثم يغطى بواسطة الغطاء الذي يتم صنعه بصورة منعزلة، و يكون بحجم مساحة القاعدة تماما و هو ما يحدده عدد الجريد المستخدم في كل من القاعدة و الغطاء. بعد استكمال صناعة الغطاء يتم تثبيته إلى هيكل القارب الأساسي و الذي مازال في هذا الطور عبارة عن الحوض السفلي الذي تم ملؤه بقطع الفلين. و قد كانوا في السابق يملئون الحوض بكرب النخيل, و ذلك أن كرب النخيل و قطع الفلين هما العامل المباشر في الحفاظ على القارب طافيا على سطح البحر، لأنهما لا يغرقان، و بالتالي فإن الورجية أو الشاشة ـ خلافا لكل الأوعية البحرية ـ لا تغرق أبدا و لو انكفأت على وجهها فإنها تظل طافية فوق سطح الماء في أعتى الظروف، و هذه خاصية تتميز بها الورجية أو الشاشة على بساطتها. و يلاحظ أن الورجية لا تكون محكمة لا يدخلها الماء، بل إن ماء البحر يدخل فيها ويخرج بحرية، تاركا الأسماك التى تم اصطيادها حية تسبح حتى تصل إلى الساحل، ولقد ضرب أهل الخليج وخاصة الكويتيون مثلا بالورجية فقالوا: “ورجيه تنزف نفسها بنفسها” وأطلقوه على أي شيء يصلح نفسه بنفسه.

4 – القوارب الشجرية

          هي عبارة عن جذع شجرة يحفر على شكل قارب, و هذه الأنواع لم تصنع في الخليج بل تم استيرادها من الهند, و النوع المتعارف عليه في الخليج هو الهوري, و هو عبارة عن زورق صغير لا يتسع لأكثر من ثلاثة إلى خمسة أشخاص يجلب من كاليكوت في الهند, وهو رخيص الثمن ويستخدم في السفن الصغيرة كقارب. ويصنع الهوري من جذع شجرة المانجو المتواجدة في الهند, حيث يحفر الجذع ويسوى على شكل قارب.  و قد يكون الهوري فقط جذع شجرة محفور دون إضافات و هذا ما يعرف بالهوري المحفور أو أن تضاف له ألواح خشبية فيصبح مزيج من النوع المحفور والألواح الخشبية معاً و يسمى هذا النوع بالهوري المنشور, وعادة ما يستخدم الهوري المنشور كقارب صيد.

الوسط – حسين محمد حسين




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*