Search

تطور صناعة السفن في البحرين و الخليج العربي

ناقشنا في الحلقة السابقة تطور آلات ركوب البحر و بقي علينا تطور صناعة السفن في البحرين و الخليج العربي بصورة عامة. ما كان يميز السفن في منطقة الخليج العربي أنه منذ بداية تصنيع السفن لم يستخدم بها مسامير من النحاس أو الحديد بل أن ألواحها كانت تخاط بالحبال التي كانت تصنع إما من ليف النخيل أو القنبار أي قشرة ثمرة جوز الهند, و قد استخدمت هذه الطريقة منذ الألف الثالث قبل الميلاد إلى ما بعد القرن الثالث عشر الميلادي, و حتى بعد أن استخدمت المسامير الحديدية بقيت خياطة السفن حتى فترات متأخرة من القرن التاسع عشر.

تاريخ طريقة خياطة السفن

          لا نمتلك أي دليل مادي على طريقة صناعة السفن في فترات ما قبل التاريخ فلم يتم العثور على لقى أثرية تدل على طريقة بناء السفن, على الرغم من العثور على نماذج لسفن صغيرة في الكويت يعود تاريخها للألف الخامس قبل الميلاد إلا أن هذه اللقى تفيد أن السفن كانت تصنع في الخليج لكنها لا تعطينا فكرة عن كيفية بناء السفن, لكننا نرجح أن السفن كانت تصنع بطريقة خياطة الألواح اعتمادا على أن هذه الطريقة هي أقدم طريقة عرفت عبر التاريخ كما أثبتت الكشوفات الأركيولوجية منها سفينة خوفو التي اكتشفت في مصر و التي تحتوي على أجزاء مخاطة بالحبال, كذلك في تركيا و أوربا عثر على سفن بها أجزاء مخاطة, و كذلك بسبب أنه لم يوثق في الخليج العربي أي نوع آخر من أنواع السفن غير السفن المخيطة و ذلك منذ القرن الأول الميلادي.

كيفية خياطة ألواح السفينة

إن بناء السفن باستخدام الحبال يحتاج إلى أن يعمل العمال على شكل أزواج، بمعني أن يكون احدهم خارج السفينة ويقابله آخر من داخل السفينة, و كل من الرجلين يلتقط الحبل من خلال ثقب ويرده بدوره إلى زميله من خلال الثقب التالي, ويستخدم كل من الرجلين يديه و قدميه في سبيل استكمال ذلك العمل الشاق, ويقوم الرجال بعد ذلك بشد الحبال بقوة حتى يحشر الحبل الرئيسي بين القطع الخشبية، ثم يتم بعد ذلك إغلاق الثقوب بأوتاد خشبية صغيرة خفيفة. وتخضع الألواح قبل تثبيتها على بعضها وخياطتها بالحبال إلى عدة اختبارات يتم من خلالها التأكد من مطابقة وجهي اللوحين احديهما للآخر مطابقة تامة. ومن الضروري من وجهه نظر صناع الحبال أن يتم غمس الحبال التي خيطت بها ألواح السفينة في الزيت كل أربعة اشهر وذلك حتى تحتفظ السفينة بكيانها سليما لمدة تتراوح بين 60 إلى 100 عام, وكذلك يتم دهان الجسم الخارجي للسفينة بخليط من الجير والدهن الخاص المستخرج من لية الخروف وذلك للحماية من ديدان البحر التي تهاجم جسم السفينة وتأكله وذلك قبل إنزالها إلى البحر.

تطور صناعة السفن في البحرين و الخليج العربي

  جلجامش وأقدم وثيقة تشرح صناعة السفن في الخليج

تم ترجمة ملحمة جلجامش إلى العديد من اللغات من قبل العديد من الكتاب, و استخدمت في الترجمة مترادفات مختلفة و ربما كانت بعض المترادفات غير مناسبة و موقعها في الجملة فهي مترتبة على فهم المترجم للجملة بصورة عامة, و عل هذا الأساس قام بيدرسون في عام 2004م بتخصيص أطروحته في ترجمة جزء من اللوح الحادي عشر من ملحمة جلجامش و هو الجزء الذي تناول صناعة السفينة من قبل جلجامش, و قد قام بيدرسون باختيار أفضل المترادفات التي تجعل من الجملة مترابطة و منطقية كما سنرى لاحقا. إن ما يميز بيدرسون أنه على دراية كافية بطرق صناعة السفن في الخليج العربي, و قد زار البحرين في التسعينيات من القرن المنصرم وأطلع على طرق صناعة السفن التقليدية بتفاصيلها و بذلك أصبحت القراءة الأولية للوح الحادي عشر من ملحمة جلجامش بمثابة قراءة وثيقة قديمة توثق طريقة صناعة السفن في تلك الحقبة القديمة لو لا بعض الألفاظ المضللة و التي نتجت بعدم إلمام المترجم بصناعة السفن القديمة. و هنا سنتتبع في هذا الجزء من اللوح الحادي عشر من ملحمة جلجامش تفاصيل بناء السفينة في تلك الحقبة.

أوامر الآلهة ببناء السفينة و وصف السفينة

20- فنقل (إيا) حديثهم إلى كوخ القصب:

21- كوخ القصب، يا كوخ القصب، جدار يا جدار.

22- أنصت يا كوخ القصب، وتفكر يا جدار.

23- رجل شوربياك، يا ابن أوبارا – توتو.

24- قوض بيتك وابن سفينة،

25- اترك مملكتك، وأنقذ حياتك،

26- اهجر متاعك، وأنقذ نفسك،

27- احمل في السفينة بذرة كل مخلوق حي.

28- والسفينة التي أنت بانيها،

29- ستأتي وفق قياس مضبوط،

30- طولها وعرضها يجب أن يتناسبا.

31- ثم غطها، كما هي المياه السفلى.

الجزء الأول (الأسطر 20 -31) تتضمن أوامر الآلهة لأوتنابشتيم ليقوم ببناء السفينة لينقذ الناس من الطوفان, و يلاحظ فيها أمر أن يهدم أوتنابشتيم بيته المصنوع من القصب قبل أن يصنع السفينة, و هنا تراود للبعض أن السفينة صنعت من القصب, ومنهم من استخدم هذه المعلومة وزعم أن سفينة نبي الله نوح عليه السلام كانت مصنوعة من القصب. إلا أننا سنرى لاحقا أنها صنعت من الخشب و أستخدم فيها القصب.

أما بالنسبة لأطوال السفينة فالبعض ترجم السطر رقم 30 “فيتساوى طولها و عرضها” و بذلك أصبحت أطوال السفينة متساوية و شكل السفينة مكعب, و هذا أمر غير طبيعي فلم يتم العثور على رسم لسفينة مكعبة الشكل تعود لنفس تلك الحقبة أو ما بعدها, و المنطقي استخدام مترادفة أخرى لنفس اللفظة و هي كلمة “متناسبة” أو “متسقة” و بذلك يصبح المعنى أن أطوال السفينة بنيت بنسب معينة.

تحضير أدوات البناء

48- وما أن لاحت تباشير الصباح

49- حتى تجمع الناس حولي.

50- عمال الأخشاب حملوا ……

51- عمال القصب حملوا …….

52- …… الشباب ……

53- البيوت …….

 54- جلب الأطفال لي القار،

55- وجلب لي الكبار كل ما يلزم.

يلاحظ أن الأدوات التي ذكرت ملحمة جلجامش هي ذاتها الأدوات المستخدمة في تلك الحقبة كما دلت عليها الكشوف الأثرية, و هي الخشب و القار, و يذكر هنا بالإضافة لهما القصب, و هذا يجعلنا نتساءل عن دور القصب في صناعة السفن قديما. يرجح بيدرسون إن هذه إشارة واضحة إلى أن السفن كانت تخاط بالحبال وذلك اعتمادا على وصف سفن البصرة – هرمز في القرن السادس عشر الميلادي والتي كان يوضع بين ألواحها قصب أو قش ثم يربط عليه, لاسيما وجود ترجمات مختلفة للسطر 51 من مثل “عامل القصب حمل صخرته المسطحة” و أيضا “عامل القصب حمل صخرته”, فيرى بيدرسون أن القصب سيدق بالحجر و يوضع بين ألواح السفينة و يربط عليه بالحبال.

بناء قشرة السفينة

56- في اليوم الخامس أنهيت هيكلها.

57- كانت مساحة سطحها إيكو واحداً وارتفاع جوانبها مائة وعشرون ذراعاً

58- وجزئها العلوي أصبحت حافته بارتفاع متناسب مع المائة والعشرون ذراع.

59- أنهيت شكلها الخارجي وأكملته.

في الماضي كانت هناك طريقتان لبناء السفن, إما أن يبنى هيكل السفينة بأكمله أي أن يحدد شكلها و تقاسيمها أولا و من ثم توضع الألواح التي تكون جسد السفينة و هذه تسمى طريقة الهيكل أولا, أما الطريقة الثانية و تسمى القشرة أولا فتتميز بصنع الأجزاء الأساسية من الهيكل دون تقاسيم ثم تخاط الألواح مع بعضها على هذا الهيكل الأساسي و من ثم تبدأ عملية تقسيم السفينة من الداخل. يستنتج بيدرسون من وصف بناء السفينة أن الطريقة التي استخدمت في البناء هي طريقة القشرة أولا, و هي الطريقة ذاتها التي سادت في الخليج العربي منذ القدم, و يرجح أجيوس (2008م) أن استمرار طريقة القشرة أولا راجع بسبب ربط الألواح بطريقة الخياطة بالحبال.

تطور صناعة السفن في البحرين و الخليج العربي

تقسيم السفينة من الداخل

60- ستة طوابق صنعت فيها.

61- (وبذا) قسمتها إلى سبعة (أجزاء)

62- وقسمت الأرضيات إلى تسعة

          هذه السطور توضح كيفية تقسيم السفينة من الداخل بعد أن انتهى من صنع القشرة.

إحكام الثغور لمنع تسرب الماء

63- وطرقت فيها أوتاد وقف تسرب الماء.

المسامير الشجرية أو الأوتاد الخشبية لم تكن غير معروفة في حضارة بين النهرين, و عليه ليس من الغريب أن تستخدم تلك الأوتاد لسد الثغور التي خيط فيها الخيط, فليس من الغريب إذا أن يشير هذا السطر لهذا المعنى و قد ترجمه عدة من المترجمين بهذا المعنى و آخرون ترجموه بمعنى آخر, و لكن المتتبع لطرق بناء السفن في الخليج منذ حقبة قبل الإسلام (سنناقشه في الحلقة القادمة) يرى أنه من المنطق أن يترجم هذا السطر بهذا المعنى. و يلاحظ إن وجود الأوتاد لسد الثغور يرجح أيضا أن ألواح السفينة قد ربطت فيما بينها بالحبال لا بطريقة أخرى.

 إكمال إحكام ثغور السفينة

64- زودتها بالمجاديف وخزنت فيها المؤن

65- سكبت في الفرن ثلاث وزنات من القار

66- وثلاث وزنات من الإسفلت

67- ثلاث وزنات من الزيت آتى بها حملة السلال

68- واحدة استهلكها التزييت

69- واثنتان قام ملاح السفينة بخزنهما

          أستخدم القار منذ آلاف السنين لطلاء السفن و ذلك لمنع تسرب الماء و كذلك حمايتها من دود البحر و غيره من الكائنات التي تلصق بالسفينة, و قد أستبدل القار بعد ذلك بخليط من الجبس و الدهن الحيواني. يلاحظ أيضا ذكر الزيت هنا, البعض رجح أن ثمة طقوس مرتبطة بالزيت لها علاقة باحتفال بناء السفينة لكن لا يوجد ما يعزز ذلك, و هنا أقترح البعض الآخر أن للزيت استخدام معين له علاقة بإحكام سد ثغور السفينة فحتى عهد قريب كان يستخدم الزيت لغمس الحبال التي خيطت به السفينة لكي يطيل في عمره الافتراضي.

طقوس الاحتفال باكتمال السفينة

70- ذبحت للناس عجولاً

71- ورحت أنحر الخراف كل يوم

72- عصيراً، وخمراً أحمر، وزيتاً، وخمراً أبيض

73- بذلت للصناع فشربوا كما من ماء نهر

74- احتلفوا كما في عيد رأس السنة

75- (.. ..) الدهون، غمست يدي

76- (في اليوم السابع) أكملت السفينة

          لا يختلف هذا المنظر عما يحدث حتى عهد قريب في طقوس بناء السفن, حتى أنه في البحرين و حتى بداية القرن العشرين كان يصنع تمثالا في مقدمة السفينة ثم يتم إلباس هذا التمثال جلد ماعز.

إنزال السفينة في الماء

77- (إنزالها في الماء) كان صعباً.

78- قاع السفينة كان يتحرك للأمام و الخلف, فوق وتحت.

79- (حتى غاص في الماء ) ثلثاها.

            هذا يعني أن السفينة كانت تبنى في منطقة قريبة من الشاطئ ثم يتم دفعها للنزول في الماء تماما كما كان يحدث في العصور الحديثة.

حسين محمد حسين




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*