Search

الغوص على اللؤلؤ : 2 – تطور قانون الغوص

قد بدأ البحث عن اللؤلؤ في المحار المتواجد على الشواطئ ثم انتقلوا للمناطق القريبة من الشواطئ ومع زيادة التطور الملاحي وزيادة الطلب و الحاجة للكميات التجارية الكبيرة للؤلؤ بدأت عملية غزو مناطق أكثر بعدا و بدؤوا يطيلون في الأسفار. و مع هذا النوع من الرحلات الطويلة احتاجت العملية للتنظيم وسن القوانين. و قد بدأ نظام الغوص بقانون منصف للغواصين و لا يؤدي للتبعية المطلقة من الغواص للنوخذة ثم تطور القانون ليقل فيه الإنصاف جزئيا و بعدها بدأ القانون يشجع على الظلم واستعباد الغواص و تكبيله بالديون. هنا سنتتبع تلك المراحل الثلاث ونحاول تتبع بداية كل مرحلة.

بداية ظهور الأنظمة المنصفة للغواص

عند الحديث عن جزر البحرين أو سواحل الخليج العربي في القديم فلم تكن مستنزفة أو تتبع أملاك خاصة بل كانت أشبه بالسواحل البكر, و كان محار اللؤلؤ متوفر على السواحل, و قد كانت هناك العديد من مغاصات اللؤلؤ القريبة من الشواطئ بالإضافة لمغاصات توجد في المناطق العميقة, و كانت تكفي القوارب الصغيرة لعملية الغوص، أضف إلى ذلك عدم توجه رؤوس الأموال الكبيرة لمثل هذه التجارة, كل ذلك شجع على تكون نظام معين للغوص ربما كان هو السائد, فكانوا يخرجون في مجموعة صغيرة في حدود الخمسة أشخاص في قارب صغير يقومون باستئجاره و يقومون بانتخاب أحدهم ليكون الرئيس, يدلنا على ذلك قول الشاعر المسيب بن علس:

كَجُمانَةِ البَحرِيِّ جاءَ بِها        غَوّاصُها مِن لُجَّةِ البَحرِ

صُلبُ الفُؤادِ رَئيسَ أَربَعَةٍ        مُتَخالِفي الأَلوانِ وَالنَجرِ

فَتَنازَعوا حَتّى إِذا اِجتَمَعوا          أَلقَوا إِلَيهِ مَقالِدَ الأَمرِ

هذه الطريقة في الغوص لم تنقرض بل تطورت عبر الزمن لتعطي مجموعة من أنماط الغوص و هي تلك المجموعة التي يقوم فيها الغواصون بتنظيم عملية الصيد بأنفسهم سواء عن طريق تأجير قارب الصيد أو بالتشارك مع نوخذة يملك قاربا صغيرا للصيد, و هذا النوع يعتبر أكثر ربحا للغواصين الذين يتولون بأنفسهم جميع أمور حملة الغوص, و يرى البعض أن هذا النوع يتلاءم أكثر مع التركيب السكاني الذي يغلب عليه النمط التقليدي المبني على العلاقات القبلية من جهة وضعف نسبة رأس المال التجاري المستثمر من جهة أخرى. و ينقسم هذا النظام لعدد من الأنظمة الفرعية يمكننا إجمالها كالتالي:

1 – غوص المرابعة:

          و هي صورة طبق الأصل من النموذج القديم حيث يتفق عدد من الأشخاص فيما بينهم و يقوم بتأجير قارب صغير و يرشحون أحدهم ليكون الرئيس, و يقومون جميعهم بتحمل تكاليف الغوص كاملة, و من بعد ذلك يتقاسمون الربح بالتساوي فيما بينهم, و قد أستمر هذا النوع زمن طويلا حتى بعد إقرار قانون الغوص, و لم يكن هذا النوع من الغوص خاضعا لقانون الغوص.

2 – غوص العزاب

          و هو شبيه بالسابق حيث يتولى الغواصون أمر كل شيء لحسابهم الخاص وذلك على ظهر سفينة صغيرة تعود لأحدهم أو مؤجرة و يقومون فيه بعدة رحلات قصيرة للغوص مدتها ما بين 15 – 30 يوما و ذلك إلى الأماكن الأقل عمقا و عادة ما يتم ذلك في الفترة التي تسبق الغوص الكبير.

3 – غوص المطامس

          و هو شبيه بالسابق تماما و لكن ما يميز هذا النوع عن غيره أن يكون موعده قبل الغوص الكبير حتى أنه يسبق غوص الخانجية, و كذلك البحارة الذين يذهبون فيه يكونون حديثو العهد بالبحر ليتعلموا طريقة الغوص و ليتدربوا على حياة البحر حتى يستعدوا لدخول الغوص في مواسمه الرسمية.

بداية استئجار الغواصين

          مع بداية اهتمام بعض رؤوس الأموال في الاستثمار في الغوص, بدأت التجار في استئجار الغواصين للعمل لحسابها, و في هذه الحالة يقوم التاجر بتمويل رحلة الغوص و استئجار الغواصين و مساعديهم و يتم تعيين أمين في كل سفينة من قبل التاجر, و قد وردت إشارات عن هذا النظام في كتاب الجواهر و صفاتها ليحيى بن ما سويه (توفي سنة 857م) كما مر علينا في الحلقة السابقة, و هذا النوع أيضا استمر لفترات طويلة و نتج عنه أنوع من الغوص نفصلها كالتالي:

1 – الخماميس

وفقا لنظام الخماميس (جمع خماس) فإن النوخذة يتولى بمفرده تمويل رحلة الغوص. و هو لا يقدم للغواصين أية قروض أو التزامات. و بعد انتهاء الغوص و بيع المحصول و من ثم اقتطاع جميع النفقات, بعدها يأخذ النوخذة العشر و يتم تقسيم ما تبقى على البحارة بنسب معينة.

2 – غوص الخانجية و الردة و أرديدة

          هذه أنواع من الغوص تتميز بالإبحار في سفينة تكون من السفن الصغيرة وقليلة العدد، فيغوصون قرب الساحل, و تتميز أن ناتج الغوص من نقود تكون جميعها للبحار ولا يأخذ النوخذة منها شيئا لتحصيل الدين (إن وجد) على الغواصين. وغوص الخانجية يكون في شهر إبريل قبل الغوص الكبير, أما غوص الردة، فيكون بعد انتهاء موسم الغوص الكبير في آخر شهر سبتمبر و ينتهي في شهر أكتوبر حيث البحر بارد, أما غوص أرديدة و هو تصغير الردة، فيكون بعد انتهاء الردة أي في شهر نوفمبر ويكون البحر شديد البرودة.

نظام السلفية و التأسيس لظلم الغواصين

لقد كان نظام السلفية هو السائد في صناعة اللؤلؤ في البحرين على الأقل منذ نهاية القرن التاسع عشر و حتى بدء انحدار هذه الصناعة في الثلاثينيات من القرن المنصرم و انهيارها التام فيما بعد. و يعتمد في هذا النظام تقديم سلفية للغواصين كأجر مقدم ثم خصم هذه السلفية من أجر الغواص بعد بيع المحصول و الحصول على العائدات التي تقسم بنظام معين فيحصل كل غواص و عامل على ظهر السفينة نصيبه من المحصول بعد أن تخصم منه السلفيات المقدمة للغواص. وهنا يمكن تقسيم دفوعات النوخذة للغواصين إلى ثلاثة أقسام:

1- التسقام: وهو مبلغ يدفع في نهاية موسم الغوص (بعد حوالي شهرين من انتهاء الموسم الأساسي) وبعد أن يتم تصفية الحسابات بشكل كامل، ويقصد منها توفير المال للغواصين في فترة عدم العمل.

 2- السلف: وهو مبلغ يدفع للغواصين في بداية موسم الغوص لتوفير إمكانات المعاش لعائلة الغواص خلال موسم الغوص ولتسهيل مهمة الغواص في شراء مئونة أهله وعدة غوصه.

3- الخرجية: مبلغ يدفع خلال موسم الغوص لمساعدة الغواص على شراء ما يحتاجه (وهو مبلغ بسيط).

رغم أن هذا التقسيم يبدو منطقيا ً ومفهوما ً إلا أنه لا يمثل القضية كلها، فالعائدات المذكورة هنا لا تتوفر إلا بعد العودة من موسم الغوص وبالتالي فإن عوائل الغواصين لا تستطيع أن تنتظر عودتهم بل لابد لها من الحصول على ما تحتاجه من مال قبل بدء موسم الغوص، وهنا تصبح المشكلة عويصة، لأنها تعتمد مبدأ تقديم القروض للغواصين وهذا ما يجعلهم مدانين بشكل مستمر وقد لا يستطيعون تسديد ديونهم كاملة خصوصا ً إذا لم يكن موسم الغوص مربحا ً. هذه واحدة من المجالات التي استدعت إجراء إصلاحات في العشرينات من القرن المنصرم. وقبل العشرينات من القرن المنصرم كان النواخذة يتعمدون تقديم السلفة العالية لكي يضمنوا بقاء الغواصين والسيوب معهم لأن تلك السلفة بمثابة الرهن. و حتى لا نكون متحاملين على هذا النظام و أن هناك نواخذة أنصفوا الغواصين, إلا أن وجود مثل هذا النظام يؤسس للظلم و لا توجد هناك أي مواد تضمن حقوق الغواص, و هكذا أصبحت النظرة العامة لمهنة الغوص أنها مهنة الظلم.

لا نعلم بالتحديد متى و أين بدأ نظام السلفية نظرا لعدم وجود أي معلومات دقيقة حول تاريخ نشأة هذا النظام إلا أن البعض يرجح أن بداية ظهور هذا النظام ظهرت في حقبة تاريخية سادها الاستقرار الدائم و المتصل الذي سمح بازدهار التجارة وتراكم الرأسمال التجاري لدى البعض, أي قرابة منتصف القرن الثامن عشر ويتطلب هذا النشاط الاقتصادي بطبيعته أمرين:

أ – تكثيف العمل بأكبر قدر ممكن من حيث الوقت و ذلك بإطالة وقت العمل واستخدام السفن الكبيرة التي تسمح باستيعاب أكبر عدد من الرجال و تسمح بالبقاء لأطول مدة ممكنة في مغاصات اللؤلؤ دون الحاجة للعودة إلى البر.

ب –  امتلاك رأسمال معقول يسمح بتموين جميع التحضيرات اللازمة لرحلة الغوص و إعداد السفينة و صيانتها قبل الغوص, و دفع نفقات الأفراد لهم و لعائلاتهم خلال موسم الغوص الطويل, و في النهاية لابد من انتظار ريع المحصول و كل ذلك يتطلب رأس مال نقدي جاهز.

النظام المالي للغوص :

بعد العودة من الغوص، إذا كان النوخذة قد أتفق مع تاجر (مسقم) و أستلم منه أموال فحينها يقوم النوخذة بتسليم ما جمع من لؤلؤ للمسقم أو التاجر، وهو الشخص الذي دفع أموالا ً سلفا ً لطاقم سفينة الصيد، بتخفيضات من 15% – 20% من سعر السوق، وهذا يعني أن المسقم قد حصل على فائدة بهذه النسبة في مقابل المال الذي دفعه سلفا ً. و قد يكون مالك السفينة (الذي قد يكون هو النوخذة أو مالك آخر) هو الممول نفسه, أيا كان الممول فبعد بيع المحصول يقسم المال على طاقم السفينة (النوخذة والغاصة والسيوب وبقية أفراد السفينة) حسب نظام يعتمد على حصص وأسهم متفق عليها بشكل عام.

          فمالك السفينة يحصل على خمس الفوائد الكلية بعد خصم كل المصاريف الأخرى, والغيص يحصل على ثلاثة أسهم, والسيب يحصل على سهمين, والرديف يحصل على سهم واحد, والوليد وغيره يدفع لهم الغاصة والسيوب والنوخذة من حصصهم. و يلاحظ أنه يخصم من سهم كل عامل ما عليه من الديون.

محكمة “سالفة الغوص”

          و هي محكمة مختصة بالنظر في قضايا الغوص و الفصل بين جميع أطراف النزاع العامة في مجال صناعة اللؤلؤ. و هي في الواقع لا تملك الوضعية و القوة اللتين تؤهلانها للإفلات من نفوذ النواخذة. و الكم الغالب من القضايا المطروحة أمامها تتعلق بالسلفية والديون واحتجاجات الغواصين واعتراضاتهم على صحتها, و حول ديون الموسم الأخير. و المحكمة مشكلة في الأساس من نواخذة بارزين ومن أشخاص تابعين لهم في الغالب لا يعرفون القراءة أو الكتابة مما يجعل حصول الغواص على العدالة أمرا غير مؤكد عبر وسائل عملها التقليدية و البالية. و في حال استمرار الغواص في الطعن بأمانة النوخذة و الإصرار على دعواه بماله من حق فإن المحكمة تلجأ إلى إخضاعه لأداء القسم. و يلجأ بعض القضاة إلى التحايل في إجراء أداء القسم بحيث يتمكن النوخذة من الإفلات من ذلك.

إصلاحات النظام المالي للغوص في البحرين

كما سبق أن قلنا أن النوخذة يقدم دفوعات سلفا ً للغواصين. وقبل العشرينات كان النواخذة يتعمدون تقديم السلفة العالية لكي يضمنوا بقاء الغواصين والسيوب معهم لأن تلك السلفة بمثابة الرهن, خصوصا ً وإن الفائدة التي يتقاضاها النواخذة على قروضهم للغواصين مرتفعة جدا ً وقد يحدث أن يبقى بعض الغواصين مدانا ً للنوخذة طوال حياته بحيث يصبح مستحيلا ً عليه التخلص من قيود الديون وأعبائها فيعيش كالعبد المرتهن لدى سيده. وبعد تكرر المشاكل والشكاوي سعت الحكومة لإدخال الإصلاحات, و تتضمن هذه الإصلاحات التي وضعت موضع التطبيق في عام 1924م الأمور التالية:

1 – إلغاء توارث الدين الذي كان سادا.

2 – تثبت الحكومة سنويا الحد الأعلى للسلفية المقدمة للغواصين, و كذلك تحديد نسبة الفائدة عليها.

3 – و ضع نظام للمحاسبة و التدقيق يلزم النوخذة بالاحتفاظ بدفترين نظاميين للمحاسبة تقدمها الحكومة بحيث يختص الدفتر الأول بالحساب العام للنوخذة بينما الآخر خاص بحساب الغواص, و يتم تسجيل المصاريف و المدفوعات و السلفيات, و يقوم موظفون حكوميون مختصون بالتدقيق في ذلك.

4 – يحضر ثلاثة غواصين بيع اللؤلؤ للمراقبة.

5 – تحريم العمل غير المدفوع خارج موسم الغوص.

          و قد عمدت الحكومة على ضمان تسديد الديون الغواصين للنواخذة بعد ترك الغواصون لهم و العمل في الشركات والوظائف التي ظهرت بعد اكتشاف النفط عام 1932م.

سلبيات تعديل النظام المالي وما ترتب عليه

هذه الإصلاحات أدت لحدوث بعض المشاكل التي كانت تعكس صعوبة وضع الغواصين من جهة وعدم استيعاب الحكومة للمشكلة الأساسية من جهة أخرى. صحيح أن استهداف رفع الغبن عن الغواصين سياسة جديدة، إلا أن تخفيض الدفوعات المقدمة مع عدم توفير البدائل لسد حاجة الغواصين لم تكن إلا تمهيدا ً لاحتجاجات واسعة في أوساط الغواصين كما حدث في اضطرابات ديسمبر 1926م. وقد كانت تلك الاضطرابات نقطة تحول مهمة في الموقف الشعبي من القضايا ذات العلاقة المباشرة بحياة الناس, كما كانت بمثابة الجرس الذي قرع أسماع السلطة البريطانية التي كانت تظهر الحرص على إيجاد قدر من المساواة بين المواطنين ومنع تمادي البعض في الإجحاف والظلم تجاه الآخرين. و مما زاد الأمر سوءا هو تخلف النواخذة عن العمل بالإصلاحات المطلوبة مما أدى لتراكم المشاعر السيئة في نفوس الغواصين، واستمر الوضع متوترا ً طوال السنوات التالية حتى انفجر عام 1932م من جديد. و هكذا نرى تأزم صناعة الغوص في نهاياتها حتى هجرها أهلها ومع استنزاف مخزون الهيرات و ترك الغاصة العمل انقرضت صنعة الغوص.

الوسط – حسين محمد حسين




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*