Search

ثقافة العيش

عيشفي هذا الفصل سنتناول بعض النباتات التي نعتت بالعَيْش أي أنها المطعم الرئيسي للناس. ولا نقصد بالعيش هنا بمعناه المحلي أي «الرز» ولكن بمعناه اللغوي أي النبات الذي اعتاشت عليه الناس, والرز هو أحد تلك النباتات ولكنه نبات دخيل لا نعلم بالتحديد زمن دخوله مملكة البحرين وحتى إن كان دخوله البحرين قديماً نسبياً فلا يمكن بأي حال من الأحوال مقارنته بالنباتات الأصيلة, فقبل الرز عرف شعب البحرين القديم القمح والشعير وأصبحت بذور هذه النباتات «العيش» الذي يعتاشون عليه وعندما دخل الرز البحرين وأصبح الوجبة الرئيسية للغذاء أصبح هو العيش وقد أدخل هذا المفهوم الأخير في التراث الشعبي وأصبح مضرباً للأمثال, من ذلك المثل الشعبي البحريني «العيش معيشة».
«العيش» بين التعميم والتخصيص

 

مصطلح «العَيْش» عند العرب لم يتم تخصيصه فهو اسم عام للطعام الرئيسي عند جماعة ما, فقد جاء في معجم «لسان العرب» في مادة «عيش»:
«العَيْش: الطعام؛ يمانية. والعَيْش: المَطْعم والمَشْرب وما تكون به الحياة».
وهذا يعني أن لكل جماعة «عيش» يختلف عن الآخر وهذا ما أكد عليه معجم «لسان العرب» حيث ورد في مادة «عيش» أيضاً:
«ويقال: عَيْش بني فلان اللبَنُ إذا كانوا يَعِيشون به، وعيش آل فلان الخُبز والحَبّ، وعَيْشُهم التمْرُ، وربما سمَّوا الخبز عَيْشاً».
وفي منطقة الخليج بصورة عامة تم تخصيص كلمة «عيش» بالرز وفي دول أخرى العيش هو الخبز, إلا أن الرز لم يكن معروفاً في المجتمع البحريني القديم أي أنه لم يكن العيش في تلك الفترات إنما كانت شعوب الحقب القديمة تعتمد على نباتات منتجة للبذور غير الرز وهي القمح والشعير.
الأسنان ونوعية الغذاءعيش 1
تعتبر الأسنان مرآة لنوعية الغذاء الذي يأكله الإنسان فمن ناحية تتكيف الأسنان ونوعية الغذاء سواء كان نباتاً أو لحماً, ومن ناحية أخرى فإن الأمراض التي تتعرض لها الأسنان من تآكل ونوعية التسوس كلها تعكس نوعية التغذية. ومن الدراسات التي درست الأسنان في عدد من المجتمعات في الخليج العربي بما فيها المجتمع البحريني القديم دراسة Littleton and Frohlich (Littleton and Frohlich 1993 ). في هذه الدراسة تم استخدام الأسنان كمؤشر لمعرفة الغذاء الأساسي ومقارنة ذلك بالمعطيات الأركيولوجية الأخرى لتحديد نوعية الثقافة في تلك المجتمعات القديمة من حيث كانت ثقافة صائدي أسماك أو مزارعين أو هي خليط بين الاثنتين.
تطور الغذاء في المجتمع البحريني القديم
من خلال الدراسة السابقة تبين أن سكان المجتمع البحريني القديم اعتمدوا في غذائهم على المواد السكرية والنباتية أكثر من اللحوم. وبحسب المادة النباتية الأساسية تم تقسيم سكان المجتمع البحريني لمجموعتين تقع كل مجموعة ضمن حقبة زمنية معينة. ففي حقبة دلمون والفترة الهلنستية اعتمد سكان المجتمع البحريني القديم على التمر والخضار والفواكه بصورة أساسية مع السمك المجفف وأنواع أخرى من اللحوم. يلاحظ أن في هذه الحقبة كان هناك حضور للشعير والقمح ولكن ليس بصورة أساسية بينما في الحقبة الإسلامية المبكرة تم الاعتماد بصورة أساسية على القمح والشعير بالإضافة للتمر والفواكه والخضار والسمك المجفف وغيرها.
تاريخ القمح والشعير
تم العثور على بذور القمح والشعير منذ حقبة دلمون المتأخرة (Nesbitt 1993 and Tengberg et Lombard 2001 ) وأصبحت تلك النباتات من ضمن المواد الغذائية ولكنها لعبت دوراً ثانوياً في حقبة دلمون وذلك بحسب دراسة إلا أن نتائج التنقيبات في سار كما سنوضح لاحقاً كشفت عن وجود أفران لتحضير الخبز (أي تنانير جمع تنور) بالإضافة لعدد من المجارش والرحى كلها تعود لحقبة دلمون وربما لعبت بذور القمح والشعير دوراً أكثر من ثانوي. أما في الحقبة الإسلامية فالدلائل تشير بوضوح إلى أن بذور القمح والشعير قد تحولت لمادة غذائية أساسية. وهناك تقارير توضح أن القمح والشعير كانا من أبرز المنتجات الزراعية في البحرين منذ القرن الثاني عشر وحتى القرن التاسع عشر حتى أن البوكيرك في وصفه للبحرين العام 1510 وصف أيضاً حقول الشعير (Nesbitt 1993). وقد استمرت زراعة القمح حتى الخمسينيات من القرن العشرين حيث كانت له حقول في وادي الرفاع إلا أن المحصول بدأ يتراجع حتى تقلصت زراعته ثم ما عاد يزرع من جديد. وفي زمن ما لا نعلمه بالتحديد تم إحلال الرز تدريجياً بدل الشعير والقمح حتى أصبح المادة الغذائية الرئيسية لوجبة الغذاء ولكن بقي الخبز كمادة غذائية في الوجبات الأخرى لا غنى عنه.
الآلات التي ارتبطت بثقافة العيش
اعتمد سكان المجتمع البحريني القديم في غذائه على القمح والشعير ولكن هذه البذور يجب أن تحول لطحين (دقيق) ليصنع منها الخبز أو جريش وهو طحين به غلظ أي أن البذور مكسرة وغير مطحونة وهو ناتج من عملية الجرش أي تكسير حبات القمح. وقد ابتكر الإنسان القديم عدداً من الآلات لتسهل عملية الطحن والجرش ومن ثم أدوات تحضير الخبز أيضاً, ومن أهم تلك الأدوات المنحاز والرحى والتنور. أما المنحاز فقد تناولناه بالتفصيل في جزء «ثقافة النخلة» وبقي أن نتناول بالتفصيل الرحى والتنور.
الرحى وتحضير الطحين
عيش 2ارتبطت النباتات المنتجة للبذور من أمثال القمح والشعير بآلة خاصة ابتكرتها شعوب تلك الحقب القديمة وانتشرت بين حضارات  وثقافات مختلفة وهي تلك الآلة التي تعمل على جرش وطحن البذور لتحولها إما لجريش أو طحين وهي الآلة التي عرفت باسم «الرحى» وقد عرفها العرب بهذا الاسم منذ فترة ما قبل الإسلام, وقد عثر على بقايا لها في مدينة سار الأثرية تعود لحقبة دلمون (Moon 2005). والرحى عبارة عن آلة بدائية من الحجر الخشن الثقيل تستعمل لجرش الحبوب وطحنها وهي عبارة عن حجرين مستديرين يركب أحدهما فوق الآخر. وتتكون الرحى من عدة أجزاء هي:
1 – حجرا الرحى:
وهما حجران مستديران يبلغ قطر كل واحدة قرابة 50 سم ومنها ما هو كبير ويبلغ قطر حجرها 100 سم, ويكون الحجر السفلي منهما ثابتاً غير متحرك وفيه ثقب ضيق واحد في وسطه يسمح بمرور محور خشبي أو معدني يثبت في وسطه ويسمى قطب الرحى (أو منخاز) أما العلوي فهو الجزء المتحرك يؤدي دورانه إلى طحن الحبوب وفيه ثقب كبير نسبياً في وسطه يسمى (الكور) يسمح بدخول الحبوب وثقب صغير آخر في طرفه يوضع فيه المقبض الخشبي الذي نحرك به حجر الرحى.
2 – القطب أو المنخاز
هو عود مصنوع إما من الخشب أو الحديد يوضع في شق الحجر السفلى.
3 – اللهاة أو الفراشة:
قطعة صغيرة إما من الخشب أو الحديد فيها ثقب في وسطها وتثبت في فتحة الحجر العلوي من الرحى وتمسك طرف (المنخاز) لكي تثبته حتى لا يتزحزح, وبذلك تعمل كل من اللهاة مع المنخاز على تسهيل دوران الحجر العلوي ويلاحظ أن المنخاز والفراشة في الرحى الواحدة يجب أن يكونا مصنوعين من نفس المادة أي أنه في حال صنع المنخاز من الخشب يجب أن تكون اللهاة أيضاً من الخشب.
4 – الهاوي أو المقبض:
وهو خشبة على شكل عصا صغيرة تحدد وتدخل وتثبت في الثقب الجانبي لتكون المقبض الذي يدار به حجر الرحى العلوي وأحياناً يلفّ عليها قطعة من القماش حتى لا تؤذي اليد لأن احتكاكها باليد يسبب ظهور ثآليل ماء صغيرة تؤلم اليد كثيراً.
عمل الرحى
يتم وضع الرحى على فراش أو قطعة من القماش تسميه العرب ثفال, ثم يتم وضع حبات القمح أو الشعير في فتحة دائرية صغيرة في وسط الحجر العلوي, وبعدها يتم تدوير الحجر العلوي وبذلك يتم طحن تلك الحبات شيئاً فشيئاً كلما دار عليها حجر الرحى حتى تصبح دقيقاً ناعماً, ويوجد نوع من الرحى يكون بطنها خشناً وهي تستعمل للجرش لإنتاج الجريش.
الدويرة أو بيت الرحى
يوجد نوعان من الرحى الأولى تكون متنقلة أي قابلة للحمل أثناء التنقل وهي التي يستخدمها البدو, وغالبية الحضر أيضاً كانت تستخدم الرحى المتنقلة إلا أن بعض الحضر استحدثوا نوعاً من الرحى يكون ثابتاً حيث توضع الرحى في غرفة خاصة تعرف باسم «بيت الرحى» أو «الدويرة» (تصغير دار) ويبنى حولها حوض دائري مطلي بجص ناعم ليتساقط فيه الطحين ويسمى هذا الحوض الثفال.
التنور
ارتبط التنور بتحضير الخبز من الطحين المعجون وقد عثر في مدينة سار الدلمونية على عدد من التنانير (جمع تنور) بأشكال مختلفة يعود تاريخها للقرن التاسع عشر قبل الميلاد (Killick 2005). والتنور عبارة عن تجويف أسطواني مصنوع من الفخار أو الطين مفتوح من طرفيه ومتسع قليلاً في وسطه, ويتم دفنه في حفرة بحيث يرتكز أحد الطرفين على قاع الحفرة ويتجه الطرف الآخر إلى أعلى. ويتم إيقاد التنور وإحمائه من الفتحة العليا ويتم لزق عجين الخبز بجداره الداخلي. وقد استخدم التنور في الماضي لشواء الأسماك أيضاً ولكن اقتصر عمله لاحقاً على صنع الخبز.
المهن التي ارتبطت بثقافة العيش
كان عدد كبير من سكان المجتمع البحريني القديم يعتمد على قدرته الذاتية في تحضير الكثير من المواد المستخدمة في تجهيز الوجبات الغذائية اليومية ولكن شيئاً فشيئاً بدأت تظهر التخصصية حيث تخصص أفراد من المجتمع في مهنة خاصة, بالطبع لن نتناول هنا جميع المهن التي ارتبطت بثقافة العيش فهناك من يزرع القمح والشعير وهناك من يحصد وهناك من يبيع وهذه مهن مشتركة وليست مقتصرة على القمح والشعير ولكن من المهن التي اقتصرت على تلك النباتات الطحان والنچاس (النكاس) والخباز. أما الطحان فقد استبدل بمصانع تقوم بطحن البذور وتحضير الطحين والجريش, وأما الخباز فلازال موجوداً بصورته القديمة التي يستخدم فيها التنور وبصورته الحديثة التي يستخدم فيها أفران مختلفة الأنواع والأشكال. أما المهنة التي انقرضت تماماً ولن تعود فهي مهنة النچاس (النكاس).
النچاس (النكاس)
وهو الشخص الذي يقوم بإصلاح الرحى و «تخشينها» عندما يصبح سطحها أملس (ناعماً) من كثرة الاستعمال حيث تترسب بقايا الحبوب المطحونة وغيرها من المواد تدريجياً على سطحها مع استمرار استخدامها مما يؤدي إلى امتلاء النتوءات والحفر الصغيرة على سطح الرحى. ويستخدم النكاس أداة خاصة ذات جهتين حادتين تسمى المنچس (المنكس), كما يستخدم المطرقة وأقلام حديدية ذات أطراف حادة وأدوات أخرى. وقد كانت معظم العائلات في الماضي تخبز الخبز في المنازل مما يتطلب وجود تنور ورحى في كل منزل لطحن الحبوب تمهيداً لخبزها وكان ذلك يشكل سوقاً جيداً للنكاس لممارسة عمله في تخشين الرحى وكسب الرزق من وراء ذلك.
المنامة – حسين محمد حسين

الوسوم


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*