Search

تايلوس وأرادوس في الكتابات اليونانية

الرحلات الاستكشافية للإسكندرBahrain Fort01
قبل أن نبدأ بعرض القوى المختلفة التي سيطرت على البحرين يجدر بنا أن نذكر الرحلات الإستكشافية التي بعث بها الإسكندر لجزر البحرين لما لها من أهمية وأرتباط بالأحداث التي تلتها وترتبت عليها.
بعد أن أنتهى الأسكندر من فتوحاته الواسعة في أسيا فكر في الإستيلاء على بلاد العرب لأسباب أستراتيجية وأقتصادية

 

متعددة. كان الأسكندر قد سيطر على منافذ البحر الأحمر والخليج العربي (واللذان يطلق عليهما أسم البحر الإريثري) باستيلائه على مصر والعراق ومنطقة الهلال الخصيب بأسرها ولم يبقى أمامه لإستكمال أمبراطوريته في الشرق الأدنى سوى السيطرة على شبه الجزيرة العربية وبخاصة شواطئها الشرقية والجنوبية. وقد حفظ لنا تلك الأحداث أريان Arrian في كتابه Anabasis (170 ميلادية). فيخبرنا أريان أن الأسكندر امضى ردحا من آخر عام في عمره يجهز خططه لجزيرة العرب التي يمكن تلخيصها فيما يلي:
1- إعداد أسطول لجمع الأخبار عن جزيرة العرب
2- تسير ثلاث بعثات أستخبارية بحرية
3- تأسيس مستوطنات على الساحل العربي.
و فيما يخص الإستكشافات التي طلب الإسكندر إنجازها فيمكن تصنيفها في ثلاث فئات، تشمل الفئة الأولى منها رحلة نيارخوس عام 325 قبل الميلاد وقد كتبت عنها ثلاثة تقارير والتي حررها كل من نيارخوس وأورثاغوراس وأنيزيكريتس. ولم تصلنا أي من تلك التقارير وإنما نعلم عنها من خلال أعمال الكتاب المتأخرين التي وصلتنا. أما الفئة الثانية فهي البعثات الاستطلاعية التي بعثه الأسكندر في ربيع عام 323 وحصل الإسكندرمن خلالها على أخبار، جمعها مباشرة أمراء بحره أرخياس Archias، وأنذروسثينس Androsthenes، وهييرون Heeron، وهم قوًاد حملاته الثلاث للدوران حول جزيرة العرب. وأخيرا لدينا رحلة أناكسيكراتس Anaxicrates في عام 323 قبل الميلاد أيضا والذي أرسله الأسكندر من هيروبولس في مصر ليدور في البحر حول جزيرة العرب. وتمثل التقارير المكتوبة عن تلك الرحلات أساس معظم المعرفة الجغرافية الخاصة بالخليج العربي وشبه جزيرة العرب.
وفيما يخص البحرين في تلك الحقبة فأعتمادا على تلك التقارير يمكننا رسم صورة عن طبيعة البحرين في تلك الحقبة والتي كانت تعرف بأسم تايلوس أو تير أو تايروس. وسنناقش تلك التقارير من ثلاث نواحي:
1 – تسمية جزر البحرين (تايلوس وأرادوس)
2 – تحديد موقع تايلوس وأرادوس
3 – وصف تايلوس في الكتابات الأغريقية
تايلوس وأرادوس
تايلوس وفي نقش آخر تايروس هو الأسم الذي ذكر في المصادر الإغريقية لكبرى جزر البحرين. ويلاحظ وجود تشابه بين الأسم تايلوس والأسم الأكدي الأكثر قدما لجزر البحرين وهو دلمون أو تلمون. ويرجح أن الأسم تايلوس محرف من الأسم تلمون أو دلمون وقد شرح إِيلرز W.Eilers هذا التحول حديثاً وأشار إِلى نموذج شائع في اختفاء >الميم< الملفوظة بالشفتين والاستعاضة عنها بـ>و<، فافترض وجود >تيلوس< Tylous في الأصل. ويظهر استبدال الميم بالواو في الأسماء الآرامية المشتقة من الأكادية أيضاً. فأسم تايلوس أو تلمون بصيغته الآرامية هو تلون TLWN السريانية، ويسمى أهل تالون >تلوانيين< وهذا ثابت في تدمر وسنناقشه لاحقا.
أما أرادوس وهو الاسم الذي كان يطلق على جزيرة واقعة تحت الجرهاء (أوالجرعاء) في الخليج العربي عند سترابو Strabo، وكلوديوس بطلميوس Cl.Ptolemy وستيفن البيزنطي Stephen. وربما كان أقدم إِشارة إِلى أرادوس Arados في مقطعا عند أونيزيكريتس Onesicritus يتعلق برحلة نيارخس Nearchus واقتبسه بليني Pliny بطريقة غير مباشرة عن جوبا Juba ذكر فيه جزيرة أثروترادس Athrotradus التي ربما تكون أرادوس. وقد تم تحديد هذه الجزيرة بجزيرة المحرق الحالية. فقد حُفِظَ حتى أيامنا الحاضرة مستند أساسي اسميَ جغرافي لا لبس فيه يعتمد عليه في اعتبار المحرق الحديثة أرادوس القديمة ذاتها. فعند ما مرَ كارستن نييبور Carsten Niebuhr في الخليج العربي في رحلة إِيابه سنة 1765 م كانت المحرقَ ما تزال معروفة باسم عراد الذي يطلق الآن على قرية واقعة على ساحل الجزيرة الجنوبي. وهكذا تسجلت على خارطة الخليج لنييبور فاعتبرت فوراً وبلاتردد أرادوس القديمة. ونجد هذا التحديد في أعمال شعبية وفي تصانيف التاريخ القديم وفي معظم الأعمال الأساسية للجغرافية التاريخية في القرن التاسع عشر. واعتمد بليني على جوبا فحفظ لنا أيضاً اسما للمحرَق مناسباً بالدرجة ذاتها، نعني تايلوس الصغرى. وتترافق تايلوس مع أرادوس، التي تعدً المحرق الحديثة، لذلك يجب لأن تكون تايلوس البحرين الحديثة.
موقع تايلوس وأرادوس
رغم الدقة والانتباه إِلى التفاصيل اللذين يتميزً بهما وصف تايلوس وأرادوس، حصل بعض الالتباس في العصور القديمة في تعيين موقع هاتين الجزيرتين. وسواء اعتمد أريان على أريستوبولس مصدراً له أم لم يعتمد، فإِن أخباره جاءت خاطئة، عندما وضع تايلوس على ملاحة نهار وليلة من مصبً نهر الفرات. وخلافاً له، وضع سترابو تايلوس على مسافة ملاحة عشرة أيام من تيريدون، فأتت أخباره صحيحة في هذه الناحية بالذات. ففي عام 1903، قام هـ. بورشاردت H.Beurchardt عملياً برحلة مماثلة من البصرة التي تقع تيريدون بجوارها حتماً إِلى البحرين، على ظهر مركب بوم عربي تقليدي،فاستغرقت رحلته 12يوماً من الملاحة الفعلية. مع ذلك يخطئ سترابو ببساطة عندما يضع تايلوس على بعد نهار ملاحة من >الرأس الواقع قرب فم الخليج في مكاي (رأس مسند). ونجد أيضاً مبالغة في تحديد موقع تايلوس الجنوبي في حساب بطلميوس الذي حدّد إحداثيُتيها بـ 0ْ،90ْ،40ْ،24ْ.
أما فيما يتعلق بموقع تايلوس مقابل ساحل جزيرة العرب، فقد كان بليني يمتلك أخباراً دقيقة تمامأً:
تمتد منطقة أتًيني Attene في الداخل على بعد خمسين ميلاً عن الساحل، وتقابل جزيرة تايلوس الجرعاء، وتبعد أميالاً مماثلة عن الشاطئ. وتشتهر بكثرة لآلئها، وفيها مدينة تحمل اسمها، وبجوارها جزيرة صغرى، تبعد عن رأس في الجزيرة الكبرى 62 2/1 ميلاً، ويقال إًن وراءها جزراً كبيرة يمكن رؤيتها، لم ينزل إًليها أحد البتة. ويبلغ محيط الجزيرة الصغرى 112ميلاً ونصف الميل، وتبعد أكثر من ذلك عن الساحل الفارسي، ولا يوصل إليها إِلا بمعبر ضيّق.
ورفض سبرنجر قبول الـ50 ميلاً رومانياً أي قرابة 75 كم لبعد تايلوس عن البر الرئيس، وزعم أن هذا البعد عن ساحل البر الرئيسي لا يتجاوز الـ 40ميلاً أو 64 كم في أي مكان. والواقع أن مثل هذا الاعتراض غير وارد. فصحيح أن طرف البحرين الجنوبي يبعد 38.4 كم فقط عن العقير التي تعدً مدخل الأحساء التقليدي. مع ذلك، لما كانت جميع المدن والقرى في البحرين دوماً قائمة في شمالها، فهذا الرقم لا يؤثر عملياً على طول الرحلة من البحرين إًُلى البر الرئيسي. وكانت المواصلات بين المنامة والعقير أوثق ارتباط شيوعاً بين البحرين وبينه. وفي عام 1845، جعل الملازم أ. ب. كمبول A.B.Kemball المسافة بين المنامة والعقير 45ميلاً أو 72 كم. بينما قَدًرت الرحلة ذاتها بالجالبوت سنة 1924 بـ60 ميلاً تقريباً أو 96 كم حسب ب. مكي.B.Mackie. والبديل الآخر هو البعد بين المنامة والقطيف، الذي خمنًه كمبول سنة 1845بـ64كم، والملازم ر. و. هويش R.W.Whish سنة 1861بـ72كم. أخيراً قدًر كمبول المسافة بين البحرين وسيهات،وهي مدينة واقعة بين الدمام والقطيف، بـ56كم. لكن عند التأمل في هذه الأرقام‘لابدً من التذكًر بأن التباين بين المسافات يمكن تعليله باختيار الطريق وبظروف الملاحة. وإذا أخذت جميع الأمور بعين الاعتبار، بدا أن رقم بليني قريب من أحدث الأرقام المذكورة هنا، وكان بلا شكً منقولاً عن تقرير مباشر مثل تقرير جوباً أو أحد تقارير >المفاوضين التجار< الذين اعتمد عليهم في الغالب.
وصف تيلوس من خلال بعثات الأسكندر
سبق وأن ذكرنا أن الأسكندر قد قام بإرسال ثلاث بعثات إستكشافية. وقد كانت البعثة الأولى بقيادة القائد البحري أرخياس الذي سار بحذاء الساحل الغربي للخليج العربي حتى بلغ جزيرة تايلوس. فحسب أريان Arrian وصل استطلاع أرخياس إًلى تايلوس فقط. ويقول أريان إن الإسكندر أُخْبِرَ >جزئياً بلسان أرخياس >عن< جزيرة… قيل إِنها تبعد عن مصب الفرات نحو مسيرة نهار ويوم في مركب يسير في اتجاه الريح، وتسمى تايلوس، وهي كبيرة، وليست وعرة، ولا مكسوة بالأشجار في معظمها،بل هي من النوع الذي يحوي بساتين فاكهة وجميع الأشياء في مواسمها<.
و قاد أنذروسثينس التاسسي Androthenes of thaos الرحلة الثانية. ويقال أنه دار جزئيا حول شبه جزيرة العرب وزار تيلوس وأرادوس. وقد أعدَ طوافاً بحرياً عنونه< رحلة بحرية على طول ساحل بحر الهند<. وكان هذاالكتاب بالتأكيد أهم مصدر مباشر وحيد عن تايلوس في العصور القديمة. ولا وجود له الآن، لكنه قُرِئَ على نطاق واسع، واستشهد به، واقتبس منه كُتَاب من أمثال ثيوفراستوس Theophrastus، وأيراتوثسينس Eratosthenes، وأرتيميدروس Artemidorus، وبليني Pliny، واثيناوس Athenaeus. وعليه سنعرض ماتم أقتباسه عن أنذروسثينس عن تايلوس من قبل الكتاب اللاحقين.
ثيوفراستس وتيلوس
لعلً الفيلسوف ثيوفراستس (372 ق.م – 287 ق.م) تفوًق على غيره، واهتم اهتماماً علمياً عظيماً إلى الحدً الأقصى بملاحظات أنذروسثينس. وينبغي أن يشكر لأنه خلًف لنا الأجزاء الثمينة من طواف البر والبحر >الذي تناول تاريخ تايلوس الطبيعي. فلنبدأ باقتباس ثلاثة مقاطع متعلقة بالموضوع من كتابي ثيوفراستس: تاريخ النباتات Historia Piantarum، وأسباب النباتات De Cansis Plantarum.
تقع جزيرة تايلوس في الخليج العربي. ويقال إًن جهتها مكسوة بالكثير من الأشجار التي تشكًل لها سياجاً حقيقياً، عندما يحصل المدً، ويبلغ حجم الواحدة منها حجم شجرة التين، وأريج زهرها فوًاح إلى أقصى حدً، وثمارها لاتصلح للأكل، تشبه الترمس. ويقولون إن شجراً >يحمل الصوف< (نبات القطن) ينمو بكثرة في هذه الجزيرة أيضا، وله ورق يشبه ورق الكرمة، لكنه صغير وليس له ثمر، إلا أن الوعاء (الجوزة) الحاوي >الصوف<، يحاكي حجمه حجم تفاح الربيع، ومغلق، ومتى نضج، ويخرج منه الصوف الذي يحيكون منه أقمشة لهم، بعضها رخيص، وبعضها ثمنه مرتفع جداً.
ويُرْوَى أن هذه الشجرة يعثر عليها أيضاً في الهند وفي جزيرة العرب. ويقولون إن فيها أشجاراً أخرى، زهورها مثل زهور القرنفل، لكن لا رائحة لها، وحجمها أربعة أمثال حجم زهرة القرنفل، وإن فيها شجرة أخرى لها العديد من الأوراق كالوردة، تنغلق في الليل، وتنفتح كلياً عند شروق الشمس، ويكتمل تفتحها ظهراً، ثم تنغلق تدريجيا في السماء، وتبقى مغلقة طيلة الليل، ويقول أهل الجزيرة إنها تنام. وفي الجزيرة أيضاً أشجار نخيل تمر، وكرمة، وأشجار مثمرة أخرى، تتضمن شجر التين الدائم الخضرة. وتهطل فيها أمطار من السماء، ليستخدمونها في سقاية بساتين الأشجار المثمرة. لكن تحتوي الجزيرة العديد من العيون، يسقون بها كل شيء، وتفيد الذرة الصفراء والأشجار. حتى لو أمطرت، يعوَمون الحقول بمياه الينابيع، كما لو أنهم يغسلون مياه المطر (تاريخ النبات، 4/7/8-7)
ويقولون إن في جزيرة تايلوس، مقابل الساحل العربي، نوعاً من الخشب يبنون به سفنهم، وإن هذا الخشب يكاد لايتعفن في ماء البحر.ويدوم أكثر من مئتي عام، إذا بقي في الماء، بينما يتفسحَ في الوقت أبكر إذا ظل خارج الماء، ولو كان خلال مدة قصيرة. ويروون أيضاً قصة غريبة أخرى، وإن كانت لاتتعلق بقضية التعفَن، فيقولون إن عندهم نوعاً من الشجر يقطعون منه هراواتهم، وهذه الهراوات جميلة جداً، لها مظهر مرقَش مثل جلد النمر. وهذا الخشب ثقيل إلى أقصى حد، ومع ذلك ينكسر إلى شظايا كالفخار الذي يلقى على أرض صلبة.
إضافة إلى ذلك، ليس خشب الطرفاء ضعيفاً هنا، كما هو في بلادنا، لكنه قوي مثل بلوط – القرمزية، أو أي خشب صلب آخر ( تاريخ النبات 5/4/7-8) وإذا صحَ تقرير أنذروسثينس عن مياه جزيرة تايلوس في البحر الأحمر(الأريثري) – أي إنُ مياه عيونها، رغم ملوحتها، أفضل من المطر، ليس فقط من أجل الأشجار، بل من اجل جمع المحاصيل الأخرى، وهذا مايفسَر تنظيف الأهالي ماء المطر بماء العين بعد سقوطه – يحتمل أن يعتبر التعودً سبب تحوًل العادة إلى طبيعة. وهكذا يقلً المطر هنا حتى إن الأشجار والحبوب وما تبقى، تزرع على مياه العيون (ويسًبب بذرها في جميع الفصول)، ولابدّ من أخذ هذا التعليل على أساس الافتراض بأن التقرير صحيح ( أسباب النبات، 2/5/5).
وفي مطلع هذا القرن، توسّع هـ. بريتزل، العالم النباتي الإلزاسي، في مناقشة تقرير نيوفراستس مناقشة حرفية، في عمل لم يطلع عليه الكثير من باحثي الخليج العربي. وما يزال مصنّف بريتزل يحتفظ بأهميته حتى الآن، وليس له ما يحاكيه. فلنتأمل أخبار تايلوس في عمل ثيوفراست نقطةً نقطة، مع اقتراحات بريتزل، والمعارف الواجب استخلاصها من كتب الرحلات الأحداث أو من الأبحاث البيولوجية البحرية الحديثة عن المنطقة.
يبدأ ثيوفراستس بوصف الأشجار في شرقي تايلوس، التي >تتحوّل إِلى سياج منتظم< عندما يجزر البحر. ويشدّد بريتزل على اعتبار الشجر المقصود القرم (المنغروف). وعثر على وثائق تثبت وجوده في ساحل البحرين الشمالي، في خارطة الأميرالية البريطانية، لـ>بندر البحرين، والخليج الفارسي، الخارطة الغربية<، التي تتضمن رسم مقطع جانبي لساحل البحرين الشمالي، وصف انه >ساحل منخفض جداً، يُفِرضه العديد من (الرجوان)، وفيه مستنقعات وأدغال قرم >. وبعد مرور خمسة أعوام على نشر عمل بريتزل، أشارج.ج. لوريمر إِلى أن البحرين على العموم يكاد النبات الطبيعي ينعدم فيها، وتنمو أدغال القرم في فرضاتها، وتظهر في أماكن أخرى منها أشجار ber قليلة يبدو أنها استثنائية<. وألمح إِلى ما هو أهم، فأبرز >وجود حيّز من الوحل مغطّى بأدغال أجذال القرم< يسمى >خور مقطع توبلي< على الجانب الشرقي من جزيرة البحرين >أي بدقة حيث شاهدها أنذروسثينس.
وعندما ظهرت دراسة بريتزل، اعتبر التعرفّ على القرم في البحرين كشفاً نباتياً هاماً، لاسيما أن احد الثقات النباتيين المحترمين أعلن سنة1891، أن شجر القرم لا وجود له في أي مكان في الخليج العربي. وبدا بريتزل وكأنه ضلً في ناحية واحدة، هي تحديد نوع القرم بدقة في البحرين. فقد حذا حذو أ.هـ.و.شمبر A.H.W.Schimper في دراسته النبات الساحلي في المنطقة الهندية الماليزية، واعتبر قرم الخليج هو.Avicennia officinalis L وفي الواقع أن القرم الأسود Avicennia marina هو النوع الغالب في الخليج. فهو معروف جيداً مثلاً في بقعة قرم عُمان وفي تاروت في المملكة العربية السعودية الشرقية وفي الأماكن الأخرى من الخليج. تقع (أجوان) القرم أيضاً على طول الساحل الجنوبي بين أبو ظبي ورأس الخيمة، وفي ساحل الباطنة بين سيب ومسقط.وكذلك على الجانب الفارسي من الخليج، على طول سواحل بلوشستان، وكرمان، ومضيق هرمز.
إضافة إلى ذلك، مثلما أثبت بريتزل بطريقة مقنعة، يحتجّ بأن ثيوفراستس يعود إلى القرم في كتابه تاريخ النبات 5/4/7، الذي أحلنا إليه من قبل، عندما يصف نوعاً من الخشب يقاوم التفسّخ في ماء البحر إلى حّد كبير. وغالباً ما رفض اعتبار هذا المقطع إحالة إلى الساج الهندي المستورد Tectona grandi، وواضح أن أنذروسثينس كان يصف شجرة رآها نامية في تايلوس. ومن المعروف أن سواري القرم كانت في الماضي القريب تستورد من كينية وتنزانية بسفن الدهو إلى البحرين وبلدان أخرى في الخليج، حيث استعملت روافد في المنازل التقليدية، لكن يحتمل أن يكون هذا الاستعمال غير شائع الدوام، فقد الح ج.شوينفورث G.Schweinfurth في عرض له يذكّر بثيوفراستس على مقاومة خشب القرم الكبيرة للتفسّح في البحر الأحمر. إضافة إلى ذلك، أبرز ابن البيطار، نباتي القرن الثالث عشر، هذه الميزة المقاومة، في مناقشته القرم الذي ينمو على طول سواحل بحر عُمان.
فماذا عن تفاصيل الوصف التي ذكرها ثيوفراستس هنا؟ لقد اقترح بريتزل أن الأشجار >التي تشكّل سياجاً نظامياً< أثناء الجزر، ليست الأشجار ذاتها التي لها أريج فواّح، وثمر لايؤكل، وهي >بحجم شجرة التين<. وشعر أن الوصف الأخير لا يتعلق بالقرم Avicennia، بل بالقتم Aegiceras majus Gaertn وهو دغل ينمو بين القرم. مع ذلك، لايذكر عمل حديث، تناول البيولوجية البحرية في غربي الخليج العربي، السرحة Aegicera في بطاقات القرم هنا، بينما يتوافق وصف القرم الأسود Avicennia marina على ساحل تاروت على العموم مع الوصف القديم الذي نناقشه. ومثلما يعتبر ثيوفراستس أن حجم الأشجار المبحوثة >بحجم شجرة التين<، فإن طول الدغل إفراد ياً في تاروت يبلغ فيما يقال >متراً أو مترين< أما الثمر الذي يقارنه ثيوفراستس >بمظهر الترمس<، فإن >حجمه وشكله قريبان من حجم الخوخ الصغير وشكله< في تاروت.
وننتقل الآن إلى >شجرة حمل الصوف<، التي ناقشها ثيوفراستس مطّولاً، وأطلق عليها بليني الاسم اللاتيني gossypinus واستصعب عدة كتّاب حديثون قبوله دليل زراعة القطن في البحرين، وفضّلوا اعتبار شهادة أنذروسثينس التباساً مع القطن المستورد. ويشكّ أ. كلفيه Y.Colvet وج. ف. سال كلاهما بإمكانية زراعة القطن في البحرين في يوم من الأيام، بينما ذهب س. أ. لارسن C.H.Larsen إلى حد الامتناع عن ذكر القطن في مناقشة استثمار الأرض في البحرين في العهد الهلنستي مع ذلك، أشار سبر نجر منذ عام 1875 إلى دليل في معجم البلدان لياقوت الحموي، الذي روى أن القطن زرع في البحرين في الماضي. وحسب ياقوت، كانت عاصمة أوال ترم (وأوال اسم عرفت به البحرين في معظم المصادر الجاهلية والإسلامية الباكرة). وعرف ياقوت مدينة ثانية تحمل الاسم ترم قرب قزوين في فارس. وافترض سبرنجر أن نوعاً ممتازاً من القطن سمي >ترمي< نسبة إلى ترم. وبالرجوع لمعجم ياقوت نلاحظ ذكر ترم الفارسية في مادة طرم. ونص ياقوت عن طرم كما يلي:
>طرم بالفتح ثم السكون ناحية كبيرة بالجبال المشرفة على قزوين في طرف بلاد الديلم رأيتها فوجدت بها ضياعا وقرى جبلية لا يرى فيها فرسخ واحد صحراء إلا أنها مع ذلك معشبة كثيرة المياه والقرى وربما سموها بلفظهم ترم بالتاء ولعل القطن الناعم الموصوف منسوب إلى أحد هذين الموضعين وهي الناحية التي كان هزمها وهسوذان المحارب لركن الدولة بن بويه فقال المتنبي يمدح عضد الدولة ما:
ما كانَتِ الطَرمُ في عَجاجَتِها
إِلا بَعيراً أَضَلَّهُ ناشِد<
وإما ما يخص القطن المسمي >ترمي< فنلاحظ أنه لم يذكر حرفيا بل أشير له إشارة على أنه نسبة لترم ورجح ياقوت لربما كان نسبة لطرم أو ترم الفارسية.
نعود مجددا لكتاب سبرنجر الذي يخبرنا أن القطن لا ينمو في بقعة جبلية مثل قزوين فيستبعد إحتمال كون القطن الترمي نسبة لترم الفارسية، وهكذا أمكن أن تأتي نسبة >ترمي< فقط من اقتران ترم أوال بنوع من القطن الجيد الخاص.
وهذا الاستنتاج صحيح حتماً، لكنه لايحلّ تماماً قضية الأصل الأوّل للقطن الترمي، أو التايلوسي بالترابط. وكما يحصل بالنسبة إلى صادرات دلمون، يمكن أن يكون أصل القطن المعروف بالترمي من مكان آخر، ثم نسب إلى ترم، أي المدينة التي كانت يحاك فيها ثياب، أو التي كان يصدّر منها في الأساس. وإذا كانت شهادة ياقوت ليست حاسمة في هذه النقطة، فشهادة ابن بطوطة، الذي كتب وصفا لجزر البحرين جاء فيه< وبها حدائق النخل والرمان والأترج، ويزرع بها القطن< لذلك، يبدو أن لاداعي للشك، بأن القطن المعروف بالترمي ينتج في البحرين، أو بأن زراعته فيها ترجع في الحد الأدنى إلى أيام الإسكندر.
وقد اُقترِحَ بأن القطن جلب إلى تايلوس من الهند، التي ناقش وجوده فيها كل من ثيوفراستس، وهيرودوتس، وبأنه ليس النبات الوحيد الذي جيء به من الهند إلى تايلوس، مثلما سوف نرى فيما يلي. لكن لانعرف الوقت المبكّر الذي أدخل فيه القطن إلى البحرين، ويجدر بنا الاهتمام باعتبار وجوده فيها على ضوء الدليل الآشوري على زراعة القطن. فسنحاريب يتحدث في نقش أسطوانته العائدة إلى عام 694ق. م عن زراعة >أشجار حمل الصوف< (الأكادية: ناش شيباتي) في نينوى ويناقش التحسينات العائدة التي طرأت على عاصمته، فيقول: >أشجار حمل الصوف الذي يقطفونه، ويحوكونه ثياباً<. كما يتكلم ثيوفراستس عن أشجار القطن، لاعن نبات القطن، فاعتبر ل. و. كنغ أن النوع المقصود هو القطن المشجّر Gossypium arboreum، لاالنوع المعروف أكثر منه المسمى القطن الحشيشي Gossypium herbaceum. وقد عدّت الهند مصدر قطن سنحاريب على وجه العموم. وقد ثبت وجود القطن في الهند في الحد الأدنى منذ الفترة الهارابية. ولكن يحتمل أيضاً، مادام لسنحاريب علاقات بتلمون في ذلك الوقت أن يكون القطن قد نقل من البحرين، حتى لو كانت الهند مصدره الأول. وقد ثبت زراعة القطن قبل الفترة الحديثة في أماكن أخرى من الخليج كما في عُمان، وواحة الهفوف وفي ناحية الرياض.
وينتقل ثيوفراستس بعد وصفه القطن في تايلوس، إًلى الحديث بالتفاصيل عن >أشجار لها زهر يشبه القرنفل، لا أريج له، وحجمه أربعة أمثال حجم القرنفل<. ثم يستأنف الكلام ليعرّف بنوع نبات آخر، هو في الواقع النبات السابق ذاته، يتميزّ بحركة خاصة من انفتاح أوراقه وانغلاقها في الصباح الباكر والمساء. وكما عرف منذ مدة طويلة، هذا النبات هو التمر الهندي Tamarindus indica الذي بدا وصفه له دقيقاً جداً إلى حد جعله يبقى نموذجا ًنباتياً في القرن العشرين، واعتبر معظم الثقات أن الهند أصل التمر الهندي، المجود في البحرين، وعدّوا الأمر حقيقة نباتية. وذكر لوريمر التمر الهندي في عداد الأشجار المثمرة المزروعة في البحرين في مطلع القرن العشرين، وأشار إلى وجوده في قريتي بار بار وكربا باد. وفي عام 1921، أشار الرائد ر. أ شيزمن R.E.Cheesman، وهو عالم طبيعي متوفّد الذكاء، أجرى عدة اكتشافات مهمة، نباتية وحيوانية في جزيرة العرب وذكر في حديثه عن البحرين أن شجرتي الطر فاء والتمر الهندي تنموان نموّاً ناجحاً جداً فيها.
وأعطى ثيوفراستس أيضاً دليلاً آخر على الصلات الوثيقة بشبه القارة الهندية، عندما وصف شجرة لها نقوش جلد النمر،يصنع منها سكان تايلوس عصيّ المشي. ويرى بريتزل أن هذا الوصف ينطبق فقط على الأسل الهندي Calamus Rotang المستورد من الهند، وعلى وجه أخصّ من البنغال فيما يظنّ. وهذه الناحية مهمة بنوع خاص، نظراً للشهادة ما قبل الإسلامية المتأخرة بشأن استيراد جزيرة العرب الشرقي عصيّ الرماح (القنا) من الهند لصنع الرماح الخطية الشهيرة.
ويناقش ثيوفراستس تايلوس، فيشرح بعناية واضحة، لكن بإيجاز، نخيل التمر والكروم، والقمح، وأشجار ثمار أخرى. واعتبرت أشجار التين الدائمة الخضرة Ficus laccifera، ويرجّح أنها سميت بهذا الاسم، لأن زيارة أندروسثينس تايلوس تمّت في فصل الشتاء وهو الفصل الذي لايتوقع الإغريقيً أن يجد فيه تيناً ناضجاً. وأدخل هوايتلوك Whitelock أشجار التين في قائمة أشجار الثمار التي تزرع في البحرين نحو1838 – 1836، بينما ذكر لوريمر >العديد من أشجار التين الجيّدة< في قرية الزنج، على نحو 1.6كم جنوبي غربي المنامة.
ونوع النبات الأخير في تايلوس الذي يذكره ثيوفراستس، هو الطرفاء Tamarix articulate vahi ولم يحصل بريتزل على أخبار موثوقة عنها، فلم يثبت لديه أن الطرفاء تنمو في البحرين أو تستورد من بر العرب الرئيس. مع ذلك، لاحظ شيزمن، كما أشرنا من قبل، نموها في البحرين نمواً جيداً جداً سنة 1921.
وننتقل في النهاية إلى تقرير ثيوفراستس عن موارد المياه في تايلوس. وفي هذا الموضوع، تستحقّ نقطتان الذكر، أولاهما صورة >العديد من العيون في الجزيرة< المتفقة تماماً مع الوضع القائم في مطلع القرن العشرين حيث نظّم لوريمر قائمة بعشرين عيناً في جزيرة البحرين الرئيسة وحدها،و وصف مياهها بأن >صفاءها جميل،لكنها مالحة قليلاً<.
ويقول ثيوفراستس في كتاب تاريخ النبات 8/7/41، إن في تايلوس >ماء سماء<، إلا أنه يزيد تحفّظه في كتاب أسباب النبات 5/5/2، فيشير إًلى >المطر القليل فيها<. ومع مرور الزمن نصل إلى تقرير بليني عن تايلوس ( انظر مايلي) الذي تخللته المبالغة، فقال: إن >سقوط الأمطار هائل< في الجزيرة. واقترح بيرتزل منطقياً تماماً أن الإحالات إلى المطر تعني فقط أن زيارة أندروسثينس تايلوس تّمت في منتصف الشتاء، عندما يمكن أن يتوقّع سقوط المطر وبتعبير أدقّ، قام بزيارتها في كانون الأول أو كانون الثاني سنة 323/324 ق. م. ويرى لوريمر أن >فصل المطر< في البحرين، >يعتبر أنه يبدأ في منتصف شهر تشرين الأول، وينتهي في منتصف شهر أيار، >وبينما< يبلغ عدد الأيام الماطرة… عادة 3 إلى 6 أيام فقط<، تقع عادة في كانون الثاني أو شباط. ورغم أن متوسط المطر في البحرين عادل فقط 81.25مم بين 1906و1902، فقد كتب لوريمر يقول: >في الأعوام الرطبة بصورة استثنائية، ينمّو العشب حتى الركبة في جميع أنحاء المنخفض الأوسط في الجزيرة الرئيسة<. وهكذا، لو حصلت زيادة أندروسثينس في الشتاء الرطب استثنائياً، لَسهُل أن يرى المرء كيف أخذ الانطباع بأن تايلوس حباها الله بكمية مطر كبيرة.
ويبحث ثيوفراستس في الكتاب أسباب النبات Causis Plantarum تأثير مياه العيون المالحة ومياه المطر في النبات في تايلوس وفي العناء الذي يتجشّمه السكان في >غسل مياه المطر بمياه العيون<. ويوازيه ما يرد في الكتاب تاريخ النبات 4/7/8، الملاحظة بأنه >حتى عندما تمطر السماء، يغمرون الحقول بمياه (العيون)، كما لو أنهم يغسلون مياه المطر ويصرّفونها بعيداً<. وأساء بريتزل فهم هذا القول، فاعتبره تلميحاً بسيطاً إلى ريّ الآبار في أوقات شحّ المطر، إلا أن مترجمي طبعة لويب الحديثة لكتاب أسباب النبات، أشاروا إلى الممارسة ذاتها بدقة لدى مزارعي القرن العشرين في البحرين، مثلما ورد على لسان ح. هـ. د. بلغريف J.H.D.Belgrave الذي كتب يقول:
>التربة رقيقة ومالحة، والمياه مالحة ومرّة بعض الشيء… وجميع البساتين مرية لأن الماء قليل جداً. والمطر، عندما يهطل، يضرّ أكثر مما ينفع في الغالب، فيرشّش التربة السطحية المالحة على النباتات، والجنبات، وأحياناً الأشجار، فيتسبّب بهلاك النباتات الصغيرة. وغالباً ما يلحق الأضرار بالأشجار والجنبات. ولتحاشي هذه الأضرار، يروي البستانيون الأرض بعد المطر مباشرة، وهذا جهد غير ضروري في نظر أناس لا يقدرون السبب الداعي لبذله.
في الختام، مثلما الحّ بريتزل وأشرنا نحن من قبل، استهدفت كتابة تقرير ثيوفراستس عن النبات في تايلوس نشر ملاحظات جديدة، لها أهمية نباتية بالغة تفيد القراء. وقد أبرزت الصفات الشكلية والطبيعية. ولم يُضِع الوقت في الحديث عن مواضيع، يحتمل أن تكون مألوفة جداً لدى القارئ الإغريقي، مثل نخيل تمر تايلوس، وزراعة الكروم والحبوب والأشجار المثمرة فيها. ولم يكن التحقيق عن النباتات المكان الملائم من أجل عرض تاريخ تايلوس. وهكذا، لانجد شيئاً تاريخياً، أو حضارياً، أو أتنوغرافياً بطبيعته. مع ذلك، يعدّ عمل ثيوفراستس وثيقة ملاحظة عملية، ويعتبر فريداً بين جميع مصادر ماقبل العصر الحديث عن البحرين، بغناه بالتفاصيل، وبوصفه حقائق نباتية غير مبهمة.
وقبل أن ننتهي كلامنا عن ثيوفراستس، يحسن بنا أن نذكر عملاً آخر له يسمى >حول الحجارة< De Lapidibus ففيه فقرة قصيرة خاصة باللؤلؤ:
ما يسمّى >باللؤلؤ<، الشفّاف بطبيعته، والمستعمل في العقود الغالية الثمن، يصنّف أيضاً بين الحجارة الكريمة. ويتكوّن ضمن صدفة تشبه الوريقة، بل هو أصغر منها. وتبلغ أبعاد اللؤلؤ أبعاد عين سمكة كبيرة الحجم. وينتج مقابل بعض جزر البحر الأحمر (الارثري).
ويتفق معظم المعلّقين على أن >بعض جزر البحر الأحمر (الأرثري)< تشير إلى البحرين.
بليني وتايلوس
يرد مقطع بليني Pliny أو بلينس الأكبر Plinus (23 م – 79 م) عن موقع تايلوس، المناقش من قبل، في الكتاب السادس من مصنفّه التاريخ الطبيعي Natural History (الذي كتب سنة 77 ميلادية) في سياق وصفه ساحل جزيرة العرب الشرقي. فإضافة إلى المعلومات الجغرافية، يدونّ بليني فيه أيضاً أن تايلوس >مشهورة بكث نطلع على معطيات أوسع عنها في فقرة لايزيدورس الخاركسي Isodorus of Charax حفظها لنا أثيناوس Athenaeus (انظر مايلي). وفيما بعد، في الكتاب 12، يعود بليني إلى موضوع تايلوس في مناقشته الأشجار. ويُعْتَبَرُ تقريره عن نبات تايلوس، في جوهره، صياغة جديدة لنص ثيوفراستس تحتوي بعض إضافات، يفترض أنها منقولة من أعمال أرستوبولس Arestobulus أو أونيزيكريتس Onesicritus، التي يرجع إليها من اجل الحصول على معلومات إضافية. وهذا هو نصّه:
تقع في الخليج ذاته، جزيرة تايلوس، التي تكسو الغابات قسمها المقابل الشرق، الذي يغمره البحر أيضاً أثناء المدّ. ويحاكي حجم كل شجرة التين. ولزهر أشجارها رائحة زكية تفوق الوصف، وتشبه ثمرتها الترمس، وتمتلئ بالشوك إلى حد لا يستطيع أي حيوان أن يلمسها. وتنمو على هضبة عليا في الجزيرة ذاتها، أشجار تحمل الصوف‘ لكن بطريقة مختلفة عن أشجار الصين، لأن أوراق هذه الأشجار ليس عليها ثمر، ويمكن أو يظّن أنها أوراق كرمة لولا أنها أصغر منها، لكنها تحمل قرعاً؟ بحجم السفرجلة. يتفتّح متى نضج، ويكشف عن كرات زغب، يصنع منها قماش غال للثياب.
ويسمون هذه الشجرة القطن. Gossypinum وتنمو أيضاً بأعداد أوفر في جزيرة تايلوس الصغرى، التي تبعد عشرة أميال عن الجزيرة الأخرى. ويقول جوبا: Juba إن لهذا العشب زغباً صوفياً ينمو حوله، يصنع منه قماش أجود من قماش كتان الهند. ويقول أيضاً: توجد شجرة عربية تسمى سيناس cynas ينسج منها ثياب، لها ورق يشبه سعف النخل. كذلك، تزوذّ أشجار الهند ذاتها الهنود بالثياب إلا أن جزر تحتوي أيضأً شجراً آخر له زهر مثل البنفسج الأبيض، لكنه أكبر منه بأربعة أمثال، وليس له أريج. وهذا يذهل في هذه المنطقة من العالم.
وهنالك شجرة أخرى أيضاً تشبه هذه الشجرة، إلا أن أورقها أوفر، وزهرها ورديّ ينغلق في أول الليل، ويبدأ بالتفتّح عند بزوغ الشمس، ويتفتّح تماماً عند الظهر، ويقول أهل البلاد إنه ينام. وتنتج الجزيرة ذاتها أيضاً شجر النخل والزيتون والكرمة والتين وجميع الأشجار المثمرة الأخرى. ولا يتساقط ورق أي من الأشجار هنا، وتستعذب الجزيرة من عيون باردة، وأمطارها هائلة ( ت ط 21/21، 40، 23- 38)
ولا نجد صعوبة بالتعرّف على النقل عن ثيوفراستس عند بليني. وتكفي هنا أمثلة قليلة مأخوذة من وصف القرم لإثبات ذلك.
ثيوفراستس: >يوجد عدد كبير من الأشجار في الجانب الشرقي<.
بليني: >مغطاة بالغابات في القسم المقابل الشرق<.
ثيوفراستس: >حجم كل هذه الأشجار بحجم شجرة التين<.
بليني: >كل شجرة من الأشجار بحجم شجرة التين<.
ثيوفراستس: >رائحة الزهرة عطرية فوّاحة إلى أقصى حد<.
بليني: >لزهرها رائحة زكية لاتوصف<.
ثيوفراتست: >الثمر لا يؤكل ويشبه الترمس في مظهره >.
بليني: >يشبه الثمر الترمس<.
ويضيف بليني صفة الشائك إلى ثمر القرم، ويذكر أن القرم ينمو في قسم تايلوس الشرقي وحده، و< يغمره البحر أثناء المدّ، ويهمل تضمين ملاحظة ثيوفراتست عن الجذور المكشوفة،الأساسية لتمييز الشجرة من غيرها.
ثم ينتقل بلني إلى القطن في تايلوس، ويستشهد هنا بجوبا، ويعتبره المرجع الموثوق بالنسبة إلى بعض المعلومات التي ينقلها عنه. وهذه الناحية مهمة لأنها ثبتت أن زراعة القطن في تايلوس، التي لاحظها أندروسثينس في القرن الرابع المتأخر، كانت ما تزال شائعة نحو زمن مجيء المسيح وتعدّ مهمة أيضاً تسمية جوبا الدقيقة للقطن gossypinum، وهذه التسمية مصدر اسم القطن الحديث. ويحتمل أيضاً أن يكون جوبا مصدر تحديد الأسماء المميّزة للجزر، المستعملة عند بليني لأن أي كاتب آخر لم يتحدث عن الجزر تايلوس وعن تايلوس الصغرى. ويختصر بليني تقريره عن التمر الهندي، ويتجاهل التفاصيل، ويستحضر في ذهنه صورة شجرة المنغولية وأزهارها الوردية. واعتبر بريتزل ذكره شجر الزيتون في البحرين خيالياً محضاً، مشيراً إلى أن ( الغارقة) استغربوا بعض الشيء عدم وجود هذه المنطقة وعلقوا على انعدامه على ساحل كرمانية، مثلاً. مع ذلك، كان ثيوفراستس بالتأكيد مصدر الإِلماحات الإِجمالية إلى نخيل التمر والكروم والتين وسائر الأشجار المثمرة، والعيون والمطر في تايلوس.
ويعود بليني في الكتاب 16 إِلى تايلوس بفقرة مخصصة لأخشاب الجزيرة، معتمدة مرة أخرى على ثيوفراستس. وهذا هو نصها:
روى رفاق الإسكندر الكبير أن جزيرة تايلوس في البحر الحمر (الأرثري) نص بابلي إِغريقي (اللغة اليونانية على لوحة طينية) يتضمن ذكر نخيل تمر ماغان ودلمون.
أشجاراً تستعمل لبناء السفن، عثر على أخشابها خالية من التعفّن طيلة 200سنة، رغم أنها كانت تحت الماء. ورووا أيضاً أن هذه الجزيرة ذاتها تحتوي جنبة تنمو سميكة إلى حد كاف لصنع عصا مشي، وعليها تقليم مثل جلد النمر، وهي ثقيلة وعرضة لأن تتكسّر كالزجاج عندما تسقط على أشياء مادتها أقسى منها،( ت ط 221/80/16)
هنا ذكر صفة عدم تعفّن هذه الشجرة، التي اعتبرها بريتزل القرم، وذكر مميزات أسل الهند Calamus Rotang، الذي يصنع منه سكان تايلوس عصي المشي، إِلا أن بليني يختلف عن ثيوفراستس بإِسقاطه كل الإحالات إِلى الطرفاء.
سترابو وتيلوس
  ذكرنا سترابو Strabo ( من قبل في صدد أخباره عن موقع تايلوس. لكن فيما عدا ذلك، يختلف تقريره كلياً عن أخبار ثيوفراستس وبليني، ويُعْنَى بصورة رئيسة بالفينيقيين. وهو بحث خارج عن نطاق هذا الكتاب. وقد وردت عند سترابو مقاطع أخرى، تتعلق بالقرم الذي أكتشف >على طول كامل ساحل البحر الأحمر (الارثري)<، وباللآليء التي عثر عليها قرب< جزيرة واقعة في بداية الخليج الفارسي<، و< الأشجار التي تفوح منها رائحة مثل رائحة البخور< في جزر واقعة مقابل مصب نّهر الفرات. وكل هذه المقاطع منقولة عن نيارخس، ويعتقد البعض أنها ترتبط بتايلوس، لكن المرجح أنه لايوجد دليل على ذلك، مهما كان نوعه.

بقلم الباحث: حسين محمد حسن الجمري




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*