uuiuiلاشك أن لذكريات الماضي حنينا خاصاً، قد لا نستطيع وصف هذا الحنين وتلك المشاعر الجميلة ، ببضع كلمات او خربشة سطور.

فالنستعد لإدارة عقارب الساعة للوراء ، و السير بعكس ساعة الزمن لنعيش تلك الذكريات عبر كتابة الاستاذ حسن عيسى الوردي التربوية الممتعة حيث نرى فيها فصولاً من تاريخ قرية الدير انعكس من خلال هذه المقالة.

حيث يقف الاستاذ على ضفاف تلك الذكريات التي بدت وكأنها موج كبيرٌ متلاطمٌ ، ليأخذنا في رحلة لتلك الأيام الجميلة لماضينا العريق، وذلك بالإبحار معه في سفينة الذكريات (على ضفاف الصّبا)وهو الإسم الذي اختاره لنكون معه فيه.

علماً بأن هذه الذكريات (على ضفاف الصّبا) هي هدية خاصة لجميع أهالي قرية الدير والمهتمين بها يقدمها حصريا عبر منتدى الدير. وحرياٌ بنا ان نتقدم بالشكر للاستاذ حسن عيسى الوردي على جهده المبذول في كتابة تلك الذكريات وتوثيقها لتصل كتحفة فنية من الجيل السابق للجيل اللاحق.

على ضفاف الصّبا

للاستاذ حسن عيسى الوردي

uuiui

صوره الى بحر قريه الدير سنه 1970م

كم هو ممتع عندما ينفتح الحديث بمعيّة بعض الأصدقاء من الأتراب أو الأبناء الأعزّاء عن مراحل الطفولة المبكّرة والمتأخرة ، إنهاء أوقات حلوة نقتنصها في هذا الزمن ذي الايقاع السريع ، الذي لا يترك لك فرصة للحديث عن تلك الذكريات وغيرها إلاّ ما ندر ، في هذه اللحظات عادة ما تتألق الذاكرة بعيدة المدى وتعرض لك أحداث الماضي البعيد و ترسم صورها ووقائعها و كأنها وقعت بالامس القريب ، بل ربما أحداث ومواقف الأمس يستعصي عليك تذكرها في هذا العمر ، حيث نعتمد على تدوين الملاحظات والمطالب حتى لا تنسى ! أما وقائع طفولتنا وصبانا الثرية فنقترب من رؤيتها بعين البصيرة بجميع تفاصيلها حتى الصغيرة منها .

ورغبة منا في توثيق بعض أحداث الطفولة بهدف المتعة من ناحية ، و تكريس بعض القيم والعادات السائدة قبل أكثر من أربعين سنة من ناحية أخرى ندوّن هذه الأفكار .

كما نودّ أن نقول رغم أنها ملاحظات شخصية إلا إنني أعتقد أنها تعبر عن مشاعر اجتماعية و تراثية لجيل من حقبة الستينات والسبعينات من القرن الماضى ، ولأنها ذكريات طفولة كما قلنا فلا شك أنها غنية بالمواقف العفوية البريئة ، وبعيدة كل البعد عن هموم الأحداث السياسية و الاقتصادية .

و سوف نحاول بأسلوب بسيط أن نرصد بعض ما علق في الذاكرة و ما حملته الأيام في ذلك الزمن ، كما ارتئينا أن تكون هذه الذكريات مكتوبة حسب فصول السنة المناخية ، لأن كل فصل من الفصول له ذكرياتة والعابه الخاصة وكأنما هناك ساعة بيلوجية تحرك الصبية في ذلك الوقت لممارسة بعض الألعاب الطفولية والهوايات الاخرى ، فموسم لصيد الطيور ( الحبال ) وموسم للعب ( التيلة ) ( والقلينة ) وغيرها من الالعاب

أولاً : فصل الصيف حسن الوردي

هو من أحلى الفصول وأمتعها ، نترقبه بشغف كبير ، ويبدأ عادة فور الانتهاء من الامتحانات النهائية ، ويستمر أكثر من ثلاثة شهور ، فعند خروجنا من المدرسة في آخر يوم من الامتحان ورجوعنا للمنزل نستبدل ثيابنا المدرسية البسيطة والمكونة من ثوب عادة غير مفصل بمقاس الجسم ، وغير مكوي وغترة بيضاء ، ننزع عن أجسامنا ذلك اللباس لنستبدله بلباس آخر أساسه ( الوزار ) الذي يغطي الملابس الداخلية وعلى الفور تبدأ مراوحتنا بين البحر بمياهه المالحة من جهة ، والعيون العذبة المنتشره في المنطقة من جهة اخرى واشهرها في منطقتنا ( عين ريّا ) ( وعين نصر(.

سريعاً تصطبغ بشرتنا باللون الأسمر ، وفي بداية الموسم يخجل بعض الصغار من الخروج مباشرة للبحر لأن بشرتهم لا زالت بيضاء ! فيمكث البعض في المنزل لأخد حمام شمسي سريع لتكتسب بشرته اللون الأسمر بعدها يخرج مع الأطفال الى البحر أو المزارع والعيون ! أما حينما يأتي المساء فالنوم عادة يكون مبكراً بعد نهار حافل بالألعاب والسباحة ، فلا تلفاز ولا مذياع ، ولكن كيف يتصور صغار اليوم وشبابه ؟ كيف كنا ننام في هذا الجو الحار والرطب ؟ – حيث لا يتحمل أولادنا اليوم انقطاع الكهرباء لساعات قليلة ، أو تعطل المكيف لفترة بسيطة – كنا كما عودنا الأهل نتكيف مع الجو حيث لا مهرب لنا عند النوم ليلاً الا في في فناء المنزل أو على السطح ، فنجهز أسرّتنا القطنية مبكراً ، وعند حلول الليل تبرد نوعا ما وتكون رطبة ، لكننا ننام عليها ملء جفوننا ، وقبل النوم ننظر للنجوم في ذلك الجو الصافي ونعدّها – وصية لنا اذا استعصى عليك النوم فحاول أن تعد النجوم – ! ولكن كيف تستطيع عد النجوم و سلطان النوم أقوى من ذلك ، فسرعان ما نستسلم لنوم هادئ جميل مليئ بالأحلام الهادئة غير المزعجة ، لأن عقولنا الباطنية خالية تماماً من ترسبات مشاهد العنف والمغامرات الخطيرة ، كما يشاهدها الأولاد في هذا الوقت ، وفكرة عدّ النجوم اجتهاد عفوي من الأهل للتغلب على الأرق !

وكم شاهدنا من الشهب لدى دخولها الغلاف الجوي للأرض مخلفّة وراءها ضوءاً طويلا ساطعاً يسببه احتكاك الهواء الجوي بسطحها ونادراً ما تصل هذه النيازك والشهب إلى سطح الأرض ، ونحن نخاف من هذه المناظر ولا نعرف طبيعتها في ذلك الوقت ونردّد بوصية من الأهل عنما نراها ( سيف الله على عدو الله ) ،

ونصحو في الصباح الباكر لأداء صلاة الصبح قبل شروق الشمس وفي بعض الأحيان نقوم متأخرين عندما تلسعنا اشعة الشمس بحرارتها ، و نسرع مهرولين للنزول من أعلى السطح وأيدينا تغطي أعيننا لمنع أشعّة الشمس القوية أن تصل إلينا ، وبعد غسل وجوهنا وأدائنا صلاة الصبح ، نتناول الفطور وهو عبارة عن شاي بالحليب الطازج مع بعض الخبز أو ( البخصم ) ، أما الجبن والبيض فنادراً ما نتناوله ، وعلى ذكر البيض فلا نستمتع بأكله الا في مناسبة قدوم مولود جديد للأسرة لأن هدايا النساء في مناسبة الولادة في ذلك الزمن تتكون من أعداد من البيض البلدي ، ونتيجة لوجود الجمر والرماد الحار عادة في الحجرة أو قريباً منها نقوم بدفن بيضة أو اكثر تحت الرماد ، ونغطيها بالجمر ، و تكون جاهزة للأكل بعد فترة وجيزة .

ومن أوائل شهر مايو يبدأ تساقط ( الخلال ) من النخيل ، وهو لذيد الطعم خاصة(الخنيزي ) ( والغرى ) ( والخلاص ) وعادة نجمع المتساقط منه لأنه مقبول للأكل ، أما الثابت في عراجين النخيل فطعمه غير مستساغ ، وبنهاية هذا الشهر ومن منتصف شهر يونيو الى نهاية شهر سبتمبر يدخل علينا موسم الرطب ، وهو من الأوقات الممتعة جداً للكبار والصغار على السواء ، لما فيه من ديناميكية تشمل الجميع ، جُلها يتعلق بهذا الموسم فالمنازل تكون طاردة للكثير من سكانها خاصة الأطفال والرجال ، فتنتشر ( البرائح ) خارج المنزل في وقت العصر والليل ، وتشاهد الأطفال والنساء منتشرين حول العيون وفي المزارع ،

ومن طقوس هذا الموسم والخاصة بالرطب أن الكثير من العوائل كبيرة العدد (تتضمّن ) انواع مختارة من النخيل تغطي كل الموسم والتضمين هو حجز بعض النخيل المرغوبة في وقت مبكر قبل الإنضاج ، وذلك بوضع شارة على ساق النخلة عبارة عن قطعة من القماش أو أى رباط آخر ، للدلالة على أن هذه النخلة محجوزة ، وعادة يختار الأهالي ما يرغبون من نخيل من المزارع القريبة من مساكنهم ، مثل مزرعة ( أم انخيلة ) للشيخ خليفة بن سلمان ومزرعة ( ريّا ) للشيخ عيسى بن علي ( ودالية الشركة ) ، أما الأسر قليلة العدد فلا تحجز أى أنواع من النخيل وإنما يحضر لها صاحب المزرعة وبشكل يومي سلة صغيرة الي المنزل ويسمى ( راتب )

ولاننا اسرة كبيرة كان أهلنا عادة ما يتضمنون بعض النخيل من ( اُم نخيلة ) ، ويحجزونها لعدة سنوات متتالية خاصة نخيل ( البجيرى ) ( والخنيزي ) (والخلاص ) (و المرزبان ) ، وفي إحدى السنوات بشرني الوالد رحمه الله أنه حجز نخلتين من مزرعة ريّا ، وكدت أطير من الفرح لما لهذه المزرعة من سمعة حسنة لجودة لوزها وكبر حجمه ونقاء مياهها سواء في نبع عينها النقي أو بركتها الواسعة ، لكن تلك الفرحة لم تدم إلاّ يوم واحد لأن الوالد كما قال لي أنه وعند ذهابه للنوم في الليل مرت بفكره بعض الهواجس من أن مزرعة ريّا قريبة من المقبرة وربما تصل جذور النخيل الى القبور ! لذلك ذهب في اليوم التالي الى صاحب المزرعة وألغى الحجز !!

وفي مرحلة الطفولة المبكرة كنا نصحب امهاتنا للمزارع لجلب ما تجود به النخلة علينا ، ولكن بعد أن اشتد عودنا وأصبحنا قادرين على تحمل ثقل الرطب المجني من النخلة، نذهب لوحدنا ، وكم هو رائع وممتع وجودنا في المزرعة ، حيث نستغل فترة انتظار موعدنا ، لأنّ من يقوم بجني الرطب من النخيل يعتمد الأولوية في الوصول للمزرعة ، فنستغل هذه الفترة في التقاط اللوز والرمان أو السباحة في البركة الواسعة ، ومن الجدير ذكره أن من يقوم بركوب النخيل وجني الرطب هم من المواطنين البحرينيين أو من الأخوة العرب من سلطنة عمان .

وعند حوالي الساعة التاسعة أو أكثر قليلاً نرجع مقفلين لمنازلنا محملين بسلال الرطب ، ومن عاداتنا وأعرافنا التي درجنا عليها إننا لا نمر على أي شخص من الرجال دون أن نعرض عليه تناول شيئاً من الرطب ونقول له بلهجتنا ( اقدع ) يعني تفضل وكل ما تشاء ، وأنه من المعيب أن تمر على شخص دون أن تفعل ذلك .

ومن الطرائف التي حدثت لي في هذا الجانب وأثناء الرجوع الى المنزل محملاً بسلة الرطب الثقيلة من مزرعة ( أم نخيلة ) ، لمحت من بعيد على ما بدا لي شيخاً وقوراً قادماً من الجهة المعاكسة من الشارع ، وعلى الفور توجهت اليه وقطرات الدبس تسيل على القماش الموضوع تحت راسي لتنزل على عيني ووجهي وأحس بطعم الدبس في فمي ، كما أن تساقط قطرات الدبس يحجب الرؤية عني بعض الشي ، انحنيت لهذا القادم أمامي حتى تكون سلة الرطب في مستوى بصره ويده ، ودون أن أنظر الي وجهه قلت له تفضل ، فأخد الرجل على ما اعتقدته بعض الرطب ، بعدها سمعت صوت نسائي يناديني باسمي ! رفعت عيني واذا من ظننت انه رجلاً هو إمرأة وقد بادرتني بسؤالها أنت (حسين ) بن فلانه ! وذكرت اسم والدتي قلت نعم ! فقالت لي سلم على الوالدة وقل لها أن الشيخة عائشة بنت خليفة تسلم عليها ! طبعاً رجعت الي المنزل لأقص على والدتي رحمها الله ما حدث وإنّ امرأة تسلم عليها اسمها الشيخة عائشة ! بالطبع فتحت الوالده الكثير من الحكايات وذكرت لي صداقتها هي وأقرانها مع الشيخة وهنا أحب أن أفرد مساحة بسيطة لصدي صوت الوالده وهي تحدثني عن بعض المحطات الإنسانية والاجتماعية لهذه المرأه حيث تقول أنها تترك منزلهم في اُم نخيلة ، وتأتي للعب مع بنات القرية ، وقد تعلّمت القران الكريم على يد معلمّة من القرية هي المعلمه ( شريفه ) رحمها الله ، وكانت الشيخة عايشة تقضي معظم النهار وشطر من الليل معنا وقد طاب لها المقام في قريتنا ، حيث كانت تلهو مع الأطفال وتشاركهم الأفراح والأحزان ، وتدخل جميع الأماكن العامة في القرية ، واصبح لها معارف كثيرين من نساء المنطقة تزورهم في منازلهم ويزورونها ، ولا زال الكثير من صغار الأمس يتذكرون الان كيف كانت الشيخة تقدم لهم كميات من البيض المسلوق عندما يزورونها مع أمهاتهم ، وكبرت الطفلة لتصبح امرأة يافعة ، ويشاء الله أن يتوفى والدها الشيخ خليفة رحمه الله وتنتقل عائلتها من منطقة الدير الى الرفاع وبالطبع تصحبهم بجسمها الى هناك ، لكن مشاعرها وقلبها معلق بالمكان الذي قضت فية سنين طفولتها وصباها ، لذلك لم يطب لها المقام هناك ولم تستطع أن تنسى ذكرياتها ومرابع طفولتها وأماكن لعبها ، فقررت العودة الى منطقة الدير ، حيث شيدت لها بيت حديث في القرية وكانت تتواصل مع عائلتها في الرفاع بزيارتهم يوم الجمعة وفي المناسبات بصحبة سائقها وهو شاب من منطقة الدير ، وعاشت معظم حياتها معززة مكرمه لم تسمع أو تري ما يعكر صفو حياتها ، ألفت المكان وألفها الناس وارتاحوا لمعشرها ، وقدّمو لها كل ما تحتاجه من خدمة واعتبروها بنت القرية الوفية ، وقد ذهبت الى حج بيت الله مع حملة الحاج عبد الرضا الديري ، كما صحبت هذه الحملة أيضاً في عام 1972م الي كل من العراق وسوريا وإيران لزيارة العتبات المقدسه هناك . وقد وافاها الأجل المحتوم في حوالى – 1989م ووارى جثمانها الثرى في مقبرة الرفاع . رحمها الله ورحم امهاتنا جميعاً .

واستطراداً لذكرياتنا في هذا الفصل، نقول أن الحال يستمر بنا بين السباحة في البحر والعيون وجني الرطب واصطياد البلابل الكبيرة والسطو على أعشاشها وأخد فراخها الصغيرة بقصد تربيتهم وتدجينهم ، وقد أصبحت لدينا خبرة في تقصّي مواقع اعشاش البلابل بل ومعرفة ما يوجد بها من بيض أو فراخ من خلال بعض المخلفات الموجودة على الأرض أسفل النخلة مثل قشور البيض أو مخلفات الطيور الصغيرة !!

وكم هو رائع ومسلٍ تربية أحد البلابل وتعويده على التقاط الأكل من يدك أو فمك ، والطيران لمسافة ثم العودة ليهبط على راسك أو يدك ! ، لكن هذه الفرحة مع البلابل عادة لا تدوم طوبلاً ، حيث يحل محلها الحزن العميق ، والامتناع عن الاكل لفترة اذا تعرض هذا البلبل الأليف الي غدر الزمن ، وكان طعاماً سائغاً لقطة المنزل ، أو ضحية غادرة لمروحة السقف ، لأننا إعتدنا الأّ نضع البلبل الأليف في قفص وإنما نطلق سراحه في الحجرة ليأكل ما يشاء .

ومن الخبرات التي اكتسبناها في تربية البلابل وجعلهم تحت السيطرة ومنعهم من الهروب أن نعوّدهم على أكل أوراق ( المشموم ) حتى الإدمان عليه ! فاذا ابتعد عنا فوق نخلة سامقة في الهواء أو بناء شاهق نحضر له وريقات خضراء من المشموم ليهبط مسرعاً نحوها و يتم اصطياده بسهولة ، تستمر متابعة صيد البلابل الصغيرة طوال أشهر مايو ويونيو ويوليو ، أمّا في شهر اغسطس فنادراً ما تفرخ هذه الطيور في البحرين ، وفيما يتعلق ببعض طباع هذه الطيور فنحن لا نستطيع أن نفرق بين الذكر و الانثى ، خاصة اننا لا يمكن مهما حاولنا أن نرى عملية السفاد ( التزاوج ) بينها !! عكس بعض الطيورالأخرى مثل العصفور الدوري والحمام وغيرهم من الطيور، ومن المواقف التي لا تمحى من الذاكرة منظر هذه البلابل عند أخد أفراخها الصغيرة من الأعشاش ، حيث نشاهد قيام الأنثى أو الذكر من هذه الطيور بفرد الجناحين وحك صدرها بالأعشاب أو الأرض حزناً وكمداً على فراخهما ! ونحن في تلك السن لا نأبه بتلك المشاعر الصادرة من تلك الطيور ! أما في هذه المرحلة العمرية وأنا أكتب هذه الذكريات يتملكني شعور من الحزن وتأنيب الضمير ، وأسال نفسي هل كنا في تلك الفترة قساة القلوب أم هي الطفولة في اندفاعها وعنفوانها ؟ !

ومن الملاحظات العجيبة التي رصدناها أكثر من مرة ونحن وسط المزارع وبين تغاريد الطيور المتنوعة التي تصك آذاننا من كثرتها وتنوعها ، أن نسمع فجأة صوت حاد و مرتفع صادر من أحد الطيور وهو صفارة إنذار فعلية تحذر من وجود خطر داهم على هذه المزرعة !! تسكن على أثره أصوات وحركة جميع الطيور ، حتى يزول الخطر وتعود الحياة الى طبيعتها ، والخطر هنا عادة يتمثل في مرور أحد الطيور الجارحة فوق المزرعة !!

وقبل ننتقل الى فصل الخريف ونودع فصل الصيف بمرحه وألعابه لا بدّ أنّ نعرج ولو يسيراًعلى متعتنا وسلوتنا وملاذنا في هذا الجو اللاهب وهو البحر المجاور لمنطقتنا والملامسه أمواجه الهادئه أعتاب منازلنا ، بحراً أعطى ولا زال يعطي الخير الكثير رغم سطوة الزمان وتقلبات الليالي و الأيام ، هذه المياه المالحة هي إنسُنا وبهجتنا عند اشتداد حرارة الجو ، نسبح في تلك المياه نهاراً ونواصل عبثنا ولهونا فيها ليلاً خاصة إذا كان القمر بدراً ينعكس ضوءه على تللك المياه لتعطي منظراً خلاباً لا يضاهيه في راُنا أي منظر من مناظر هذا الزمان ، وكم هي رائعة تلك الألعاب البريئة التي نمارسها رغم خطورة بعضها مثل لعبة التقاذف بالطحالب المخلوطة ببعض الأصداف الصغيرة وقناديل البحر ” الفغاليل “، وقد تصبح هذه اللعبة في بعض الأحيان خطرة ومؤلمة خاصة اذا اصابت منطقة الوجه والعينين ،وفي هذه اللعبة ننقسم فريقين كل فريق يحاول أن يصيب أي فرد من الفريق الآخر والجميع يتلافى القذائف االموجهة اليه بالغطس في الماء، وفي كثير من الأيان تصيب تلك الضربات في حالة رفع الراس من الماء ووجود مترصد من الفريق الآخر ، لكن وجودنا في الماء يخفف من وطئة الاصابة وذلك بفتح العينين في المياه المالحة ، وفي نهاية اللعبة وبعد أن تنفد طاقاتنا نخرج من البحر كتف بكتف اخواناً متحابين ومرحين وفوق ذلك أفرغنا الكثير من الشُحنات والطاقات الحركية الزائدة لنعود الى منازلنا هادئين دون إزعاج نثيره مع الاهل أو الاخوان . ونحلم بيوم آخر كله مرح وسرور .

أمّا تجربتنا البحرية في صيد الاسماك فليست ثرية مثل ثراء وخبرة عملية ” الحبال “وهي صيد الطيور المهاجرة بأستخدام الفخ المصنوع محلياً من الخشب 0 والسطوعلى بعض الطيور الصغيرة خاصة البلابل وأخذها من من أعشاشها ، وقد اقتصرت خبرتنا في صيد الأسماك على ” الحذاك ” وهو الصيد بواسطة السنارة ” الميدار” ، وصيد سمك الحواكيل كما نسميه في منطقتنا بواسطة ” الخرواشه ” وهي عبارة عن قطعة خشب تطفو على السطح حيث نربط الميدار فيها ، لأن تلك الأسماك عادة تعوم قريبة من السطح ،كذلك لنا ممارسات لا باس بها في صيد السمك بواسطة الحضرة التي عرفناها منذ صغرنا بحضرة جدنا (الحاج علي الوردي ) وموقعها في الجهة الشمالية الشرقية من مزرعة ريّا ، المنطقة الان غدر بها الزمان وغيرتها تحولات الليالي والايام وردمت وسوف تتحول الى منطقه سكنيه .

وللحضرة في بنائها وإعدادها ذكريات لا بدّ من المرور عليها ولو سريعاً – واحب ان ابين ان بعض تفاصيل بناء الحضرة والمصطلحات المستعملة ليست من الخبرات الشخصية وإنما استعنت بمعرفتها من بعض الاصدقاء المخضرمين — حيث يتكرر ذلك بصورة موسمية ، ففي كل صيف يُجدّدُ بناؤها ، ولإعداد الحضرة مراحل كلها ممتعة لنا نحن الصغار وتبدأ اولى تلك الاجراءات بجلب أعداد كثيرة من سعف النخيل ،و تقلّم السعفة بواسطة (منجل ) في عملية اصطلح على تسميتها محلياً ” بالصماط ” وفيها تزال تلك الأوراق وتصبح السعفة جرداء وعلى ذلك تتكوم أوراق الخوص الناعمة نسبياً حيث نتخذها مكاناً لللعب والاختباء ، بعد ذلك يتم عمل أسوار الحضرة وهي عملية وضع جريد النخل وتثبيته بالحبال على شكل سياج وتعرف تللك العملية ” بالدجان وذلك لعمل(سر الحضرة ) أو مجمع السمك الرئيسي ، و «الحَضرة» بشكل سريع عبارة عن مصيدة على شكل طوق مصنوع من سعف النخيل يُثبّت بطريقة مُحكمة ودقيقة بواسطة حبال مصنوعة من الليف ويُثبت الجريد في البحر بطريقة عمودية باستخدام ادوات تسمى محلياً ( الطناب ) و( العقال ) حيث يمسك العقال الجزء الاسفل والطناب الجزء الاعلى من الجريد ويتم تثبيت الطناب والعقال في ثقب بقاع الارض يسمى ( اللصة ) ومن الأسفل عند القاع بواسطة الحصى، أما الآن فتصنع من الجريد والشباك الحديدية أو ما يعرف (بالسيم) وخيوط النايلون وأعواد طويلة وصلبة و تسمى محليا (الخطرات). وتُقام الحضرة بالقرب من الشاطئ أو في داخل البحر في المناطق التي ينحسر عنها الماء، وتكون الفتحة في اتجاه الساحل، وتقام بعضها في مناطق ضحلة إلى درجة أنها تكون جافة جدّا عند انحسار الماء عنها، وفي ذلك الوقت بالذات يُجمع السمك منها . ومن ذلك حضرتنا المسماة ” بالرمسية ” ولا أعرف الى الان ما معنى تسميتها بهذا الاسم ، والبعض الآخر من الحضور يكون فيها مستوى الماء من نصف قامة إلى قامة واحدة عند انحسار الماء عنها وعادة يجمع السمك بواسطة الشباك اليدوية المصنوعة من الخيوط وتعرف ( بمسلات الغزل ) .

ويشرف على عملية بناء «الحضور» عادة أصحاب الحضرة أنفسهم ومجموعة من المتطوعين الذين يجدون في عملهم مع أصدقائهم وجيرانهم متعة ومساعدة حيث يتعزز هنا مبدأ التكافل الإجتماعي ، أمّا في يوم تثبيت الحضرة في البحر فعادة يصحبهم بعض أصحاب الخبرة في تلك المهمه ، وتحمل جميع الأدوات على عربات ” كاري ” تجرها الحمير، أو القوارب الخشبية ( الهوري ) ويبدأ العمل بهمة متزايدة طوال فترة الجزر ” الثبر ” ، بحيث يحرص الجميع على أن تجهّز الحضرة قبيل طغيان الماء ” المد ” بدقائق ، وفي يوم العمل يحمل صاحب الحضرة معه الكثير من الماء البارد والرطب واللوز للمتطوعين معه للعمل ومن الأمور التي لا أنساها وتبرز القيم الحقيقية لها الآن هو هذا الشعور الجمعي لحب وتلبية من يطلب منهم المساعدة في ذلك ، ومن النادر أن يرفض او يعتذر أي شخص عن المساعدة .

إما في البيوت فتنشغل النساء بتجهيز وجبة خاصة تقدم بعد عودة المشتغلين في تركيب الحضرة وذلك بعد ذهابهم الى منازلهم واستبدال ملابسهم وسباحتهم بالماء العذب ، ووجبة الغداء في هذه المناسبة تتكون غالبا من طبخة المكبوس مع اللحم البلدي الطازج والكثير من الطماطم البحريني المميز اذا كان في موسمه وتطبخ على قطع الخشب وعادة ما يتم تناول هذه الوجبة في وقت متأخر عن ما اعتاد عليه الناس في ذلك الوقت .

وبالطبع يكون أول يوم لصيد السمك من تلك الحضرة ممتعاً ويصحبه الكثير من الأمل في صيد وفير، ويسمى أول صيد بعد تثبيتها ” شريّة ” وفي ليلة الشرية تعمل وجبة خفيفة من الرز المحمر والبيض يرمى جزء منه في الحضرة ويقدم الجزء الباقي لأصحاب الحضور المجاورة ( وهذه المعلومة الاخيرة لم أعرفها ولم اسمع بها الا مؤخراً من بعض البحارة ) وبالنسبة لحضرتنا يتناوب الوالد والعم رحمهما الله الدخول الى الحضرة وجلب ما تجود به من اسماك ، اما في غيابهما نهاراً فيكلفني جدي رحمه الله بالذهاب اليها ونادراً ما اذهب وحدي لان الكثير من الاصدقاء يطلب مرافقتي ، وفي صيد الحضوروصيد السمك عموماً يكون الأمل في الصيد الوفير هو الرفيق المؤنس للبحار ، ومن الطرائف التي حصلت لي شخصياُ ذهابي في إحدى المرات لوحدي وكان الماء لا يزال مرتفعاً الى ما فوق االركبة ’ وقد تفاجأت بأسراب من سمك الحواكيل في ” رحائب ” الحضرة أي فنائها ونتيجة لقلة الخبرة فردت المسلاة اليدوية لالتقاط أكبر عدد من تلك الاسماك ، ولكني لم أتوقع ما سوف يحصل لي فقد اندفع احد الحواكيل الكبيرة نحوي وقضم يدي وشجها شجاً عميقا ، نزل على على أثره الدم غزيراً ولا زالت اثار الجرح باقية في يدي اليمنى حتى اليوم ، ً وصادف في تلك الفترة مرورأحد اقاربنا من سماهيج حيث شد الجروح بقطعة قماش ، وقال لي إنّ صيد الحواكيل بهذه الطريقة خطر كبير ، والحمد لله إنها لم تصل الى عينك ، وأخبرني أنّ صيدها هو ضربها بقطعة من الخشب على ظهورها ثم التقاطها ، ومن مفاجأت الصيد في الحضرة أيضا ً إنه صادف في إحدى المرات وأيضاً كنت لوحدي وكان الصيد في ذلك اليوم وفيراً من سمك الصافي وقد جمعته بسهولة ، وعند الانصراف تجمع حولي مجموعة من الرجال والنساء القادمين من مزرعة ربّا و نحن نسميهم ” الكشاتة ” وأكثرهم من منطقة المحرق ، المهم طلبوا مني أن أبيعهم بعض الاسماك فوعدتهم إنني سوف اذهب الى البيت وادعو جدي المتواجد في المنزل ان يوزن لهم ما يريدون ثم أحضره لهم ، وأوصوني أن أختار الاناث من اسماك الصافي وهذه أول مرة اسمع بإناث الصافي ، لكن جدي رحمه الله اخبرني بمواصفات الإناث والذكور وتم عزل الإناث بسهولة ، و لا تزال تلك التجربة الاولى تشكل خبرتي الى اليوم في معرفة الأنواع من ذلك السمك . وبما أنّ الحضرة تقع قريباً من مزرعة ريّا ذات المياه العذبة والتي يرتادها كما قلنا الكثير من العوائل لقضاء يوم بين السباحة في بركتها ونزول البحر لجمع بعض الأصداف فمن الأمور مور المالوفة ان يصل بعض الصبية الى الحضرة لرؤية صيد السمك وصادف في إحدى المرات واثناء خروجي من الحضرة وكان الصيد في ذلك اليوم قليلاً جدا لا يتعدى بضع سمكات من الصافي ، وقد قام احد الصبية بمحاولة مسك بعض تلك الأسماك ولكن بمجرد ان قرب يده من تلك السمكة حتى صرخ صراخاً مزعجاً هرع على اثره الكثير من أقاربه وتوجهوا نحوي وقد أصابني جراء ذلك جزع وخوف شديد ، لكنّ أهله طمأنوني أنّ ذلك يحصل وليس لك دور في ذلك ! والحمد لله إننا في ذلك الزمان النقي والقلوب الصافيه التي تعطي كلّ حدث حجمه الحقيقي دون زيادة ودون استغلال لهذا الحدث ، فرحم الله ذلك الزمان .

بقلم الاستاذ: حسن الوردي، الدير

ترقبوا الجزء الثاني