__1_~2من المعروف أن نظام المقيم السياسي البريطاني في الخليج قد جاء من عباءة شركة الهند الشرقية الإنجليزية منذ العام 1763 واستمر حتى العام 1971.

وقد تم اختيار ميناء بوشهر الايراني موقعاً دائماً للمقيم ولموظفي هذه الهيئة السياسية الانجليزية. وكانت مهمة المقيم الحفاظ على درجات متفاوتة من السيطرة السياسية والاقتصادية لصالح بريطانيا العظمى على منطقة الخليج وحكامها.

وبعد نحو العام من توقيع اتفاقية 1861 بين بريطانيا والبحرين؛ قرر المقيم البريطاني في الخليج المدعو (Lewis Pelly) تولى بين 1862 – 1872، أن يستبدل الطريقة المتعارف عليها في تعيين الوكلاء البريطانيين، بأن يلجأ إلى الاستعانة بالعرب من الساحل الغربي للخليج.

ويعد الحاج جاسم المعروف بأبوالقاسم أطول الوكلاء البريطانيين مدة في هذا المنصب طوال تاريخ تأسيسه في الخليج عموماً، فقد قضى به ابوالقاسم حوالي 20 سنة.

ما يهمنا في هذه القضية هو ذاك التوجه لتعيين وكيل بريطاني من سكان البحرين الأصلاء بدلاً من ابوالقاسم، فجاء اختيار الحاج إبراهيم بن محسن بن رجب ليقوم بهذه المهمة الشاقة، ولم يبرر المقيم (بيلي) أسباب هذا التغيير في نظام الوكلاء المحليين، ولكن ربما يعود ذلك كما يذكر (جيمس

أونلي) أن المقيم السياسي البريطاني آنذاك أراد تعيين وكيل محلي من أهل البلاد الأصليين له تأثير كبير في تجربة الحقوق الاقليمية الحديثة التي حصلت عليها البحرين بموجب الاتفاقية السابقة.

ومن واقع الذاكرة الجمعية للعائلة نستخلص أن عائلة بن رجب تعود في أصولها الأولى إلى منطقة الحجاز بغرب شبه الجزيرة العربية. وبن رجب اليوم في البحرين هم المنحدرون من سلالة رجل الدين العالم الشيخ محمد بن حسن بن رجب. وعاش هذا الشيخ العالم في البحرين في القرن السادس عشر للميلاد أي منذ نحو 500 سنة. وفي وقت ولادة إبراهيم بن رجب كانت عائلة آل رجب قد اشتهرت بأنها أغنى عوائل التجار في المنامة. ولذا فقد أرسلته العائلة في مطلع حياته إلى مدرسة خارجية في مدينة مومبي لتلقي العلم هناك باعتبار أن العائلة كانت لها علاقات تجارية واسعة جداً مع البيوت التجارية الهندية في تلك الفترة. وبقي إبراهيم هناك حتى سن البلوغ عند الصبيان وحصل على مستوى جيد في اللغة الانجليزية. ومن المحتمل انه خلال تلك الفترة أيضاً اكتسب بعض الخبرات من الإنجليز في الهند. وعاد إلى البحرين ليتسلم أمور العائلة التجارية بكاملها نحو عام 1850. وخلال عشر سنوات فقط، أي مع بدايات العام 1860، أضحى أغنى تجار البحرين قاطبة. وكمؤشر على ذاك الغنى هو تلك الأراضي الواسعة البديعة بنخيلها ومائها العذب التي كان يمتلكها في منطقة الجفير.

وبسبب دراسته في الهند واطلاعه على أحوالها خلال الفترة الانجليزية بها؛ واتساع علاقاته الاجتماعية والتجارية مع عموم أهل البحرين بجميع طوائفهم ومللهم؛ جعلت المقيم السياسي (بيلي) في الخليج يفاتحه ذات يوم من العام 1862 في أن يتولى وظيفة الوكيل البريطاني في البحرين براتب سنوي قدره آنذاك 960 روبية، وكان يعتبر راتباً جيداً. وبهذا التعيين أصبح الحاج إبراهيم بن رجب أول وكيل بريطاني بحريني أباً عن جد ومن سكان جزر البحرين حيث درجت المقيمية البريطانية في الخليج منذ نشأتها على تعيين وكلاء لها في الخليج والبحرين من العرب أو الفرس المقيمين في الساحل الشرقي من الخليج.

تولى الحاج إبراهيم بن رجب المنصب لفترة قصيرة نحو عامين فقط بسبب عوامل خارجية ليس للحاج إبراهيم علاقة بها. ذلك أنه لسوء الحظ خلال السنة التي عُين فيها تم تقليص نفقات الوكلاء المساعدين للمقيمية البريطانية في الخليج من قبل حكومة الهند البريطانية الاستعمارية. أضف إلى ذلك أنه في العام التالي 1863، قام مكتب الهند البريطاني، ربما لتقليل النفقات العسكرية، بتفكيك الاسطول البريطاني في الخليج وسحبه مع جنود البحرية إلى الهند. ووضع برنامج لزيارة البحرية البريطانية للبحرين في العام مرة واحدة فقط. أما قيادة أسطول الخليج فبقيت في الترسانة البحرية في مومبي تحت الطلب إذا تمت الحاجة إليها في الخليج في الحالات الطارئة.

ولم تكن المقيمية سعيدة بهذه التغييرات التي ستُفقدها الوكلاء المساعدين لها في الخليج، ولذا قررت إجراء بعض التغييرات في منصب الوكيل برواتب مجزية أكثر وأعمال إضافية. إلا الحاج إبراهيم بن رجب لم يواصل عمله في الوظيفة بل بقي في البحرين حتى العام 1869 حين عاد لمومبي فجأة. يتبع…

محمد حميد السلمان، صحيفة الوسط البحرينية – العدد 3853 – الثلثاء 26 مارس 2013م

عبدالله بن محسن ومسئولية شرق الجزيرة

عندما قرّر المقيم البريطاني في الخليج لويس بيلي العام 1864 تغيير طبيعة نظام الإدارة البريطانية للمنطقة بتوظيف مساعد ملتزم برعاية المصالح الإنجليزية مع الحكّام المحليين ومسئول عن منطقة الساحل الشمالي العربي من الخليج؛ تخلّى عن نظام الوكالة القديم المتّبع آنذاك. ولذا ترك الحاج إبراهيم بن رجب كأول وكيل بريطاني بحريني تلك الوظيفة وتفرّغ لمزاولة عمله التجاري المربح جداً مع أن علاقته بالمقيم لم تتغير.

ومع أن الإدارة البريطانية في الهند لم تطبّق النظام المقترح كما رسمه بيلي تماماً بسبب تطوّر أحداث المنطقة الخليجية المقلقة بشكل سريع؛ إلا أننا نجد الحاج إبراهيم قد عاد فجأة العام 1869 إلى مومبي. كان ذلك حين نصحه البريطانيون بالانتقال من البحرين بسبب الوضع المضطرب بها وخيّروه بشأن أي مكان يريد التوجه إليه، بشرط أن يكون تحت الحماية البريطانية، فاختار بن رجب أن يعود إلى مومبي لعلاقته الحميمة السابقة بها، وقدرته على التحرّك تجارياً واجتماعياً في تلك المدينة، وهناك قضى السنوات المتبقية من حياته.

ولأن الإنسان البحريني متعلق بالأرض دائماً، فقد قام الحاج إبراهيم خلال سنوات مكوثه في مومبي نحو 1870 بمشروع استصلاح الأراضي في منطقة المستنقعات في ضواحي مومبي، بحيث جعل منها واحةً زراعيةً غنّاء، ما أدّى لتسميتها ساحة إبراهيم فيما بعد.

ولمتابعة أوضاع عائلة محسن بن رجب والبحرين في تلك الفترة، هناك الكثير مما يمكن معرفته من الوثائق البريطانية التي كانت تصدر من المقيمية في بوشهر، والتي انتقلت إلى البحرين في النصف الثاني من القرن العشرين. تلك الوثائق التي صدرت في فترة توليها من قبل المقيم لويس بيلي، وبشكل خاص في مدوّنته المعنونة بـ «حاجي إبراهيم البحريني» العام 1869، ورسائله «إلى إبراهيم بن محسن بن رجب» خلال أشهر سبتمبر، نوفمبر، وديسمبر من العام 1871، وغيرها من الوثائق.

ولم يعنِ ارتحال، وليس نفي، الحاج إبراهيم بن رجب عن البحرين العام 1869 أن عائلته قد توقّف تواصلها مع البحرين أو مع بريطانيا، بل إن أخاه الحاج محمد بن محسن بن رجب حصل على الجنسية البريطانية في الهند، كما حصل على حماية خاصة لابنه عبدالله في ظل ظروف تلك المرحلة الحرجة من تاريخ المنطقة الخليجية. وكأن الأب كان يستشعر ما سيحدث في تالي الأيام وهو يرى الخطوب مدلهمةً حولهم، فقد استفاد الابن عبدالله من تلك الحماية البريطانية الخاصة بتعويض جيد حين تعرّضت تجارة بن رجب للنهب، وبضائعهم للتدمير والسرقات من «مجهولين» أكثر من مرة، وكانت المقيمية، كما يذكر بيلي في الوثائق البريطانية، تقف معهم في كل مرة يتعرضون لمثل ذلك النهب والسرقة.

كما حصل عبدالله بن محمد بن محسن بن رجب على وكالة حصرية له العام 1873 في الخليج من إحدى الشركات. ذلك أن شركة (Gray Paul & Co) وهي شركة تجارية مملوكة لبريطانيا وتعمل في عموم الخليج آنذاك وقبل أن تفتح لها فرعاً دائماً في المنطقة وفي البحرين تحديداً العام 1883 تحت اسم آخر عُرفت به هنا فيما بعد، وهو «جري مكنزي»؛ اختارت عبدالله بن محمد بن رجب ليكون وكيلها المحلي ويتولى أعمالها التي أخذتها هي الأخرى بالوكالة عن شركة بريطانية كبرى، وهي الشركة البريطانية الهندية للملاحة البخارية المعروفة اختصارا بـ (BI). وجاءت هذه الثقة البريطانية في عبدالله بسبب قوة العلاقة السابقة بين العائلة والمقيم وحكام البحرين.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل لاحقاً وفي العام 1875 تحديداً، عيّنته هيئة «الخدمة البريدية الهندية البريطانية» في منصب المدير الثاني لشرق شبه الجزيرة العربية، وبقي في هذا المنصب حتى العام 1884 حيث انتهت مدة انتدابه له. لكن ثقة شركة (BI) به لم تنتهِ، فقد بقي وكيلها الحصري في البحرين حتى وفاته العام 1889.

محمد حميد السلمان، صحيفة الوسط البحرينية – العدد 3857 – السبت 30 مارس 2013م