jjjالمؤرخ عبدالخالق الجنبي لـ «الوسط»: ديوان «ابن المقرب العيوني» أهم مصدر تاريخي عن المنطقة… وتاريخنا لم يُدرس كما ينبغي

أكد المؤرخ السعودي عبدالخالق بن عبدالجليل الجنبي الأهمية التاريخية العالية لديوان «علي بن المقرَّب العُيوني» معتبراً أنه «أهم مصدر تاريخي عن المنطقة وصل إلينا على الإطلاق، وكل من كتب عن تاريخ المنطقة، ولاسيما تاريخ إقليم البحرين القديم هو عيال فيما ينقله على شعر هذه الشاعر وشروحه التي دوّن الشاعر نفسه كثيراً منها». وقال شارح ديوان ابن المقرب عضو جمعية التاريخ والآثار السعودية وجمعية التاريخ والآثار لدول مجلس التعاون الخليجي «إن الأهمية التاريخية لشعر ابن المقرَّب هي أكبر بكثير من الخصائص الفنية لشعره، فيكفينا دلالة على ذلك أنّ دولة كالدولة العيونية حكمت المنطقة لما يقارب القرنين من الزمان ما كنا لنعرف

عنها شيئاً وعن حكامها ورجالاتها والأحداث التي وقعت لها لولا هذا الديوان؛ هذا فضلاً عن الكثير من الأخبار التاريخية السابقة لهذه الدولة منذ عصر ما قبل الإسلام، ولاسيما أخبار قبيلة عبد القيس ونزولها أرض البحرين والحروب التي حدثت بينها وبين السكان الأوائل للمنطقة هذا بالإضافة إلى أخبار القبائل الأخرى مثل قبائل عُقيل وحروبها مع العيونيين في المنطقة، وكذا المعلومات الجغرافية الكثيرة التي احتوى عليها الديوان».

واعتبر الجنبي في حديث مع «الوسط» أن «تاريخ المنطقة للأسف الشديد لم يكتب كما ينبغي أن يكتب، أو كما تفرضه أصول المنهج العلمي؛ بل الأدهى من ذلك أنه حُرّف وحوّر وزوّر أحياناً إرضاء لما سميتها بالمؤسسات العلمية». وأشار إلى «معوقات كثيرة» تعترض الباحث في تاريخ المنطقة «منها قلة المصادر والمراجع، وقلة مراكز البحث والمعرفة، والتي إن وجدت، فإنّ القائمين عليها يكونون في غاية البخل بالمعرفة، أو يكونون من ذوي الميول والأهواء، ما يجعلهم يخفون الكثير من المعلومات أو يحورونها أو يحرفونها، وقد يزوّرونها هذا فضلاً عن أن الكثير من هذه المراكز والمؤسسات تكون ذات أجندات خاصة مرتبطة بمنشئيها». وهنا الحوار:

استاذ عبدالخالق… عُرفت كأحد العشراء المجيدين ولكن شهرتك الحالية كمؤرخ فاقت فيما يبدو شهرتك كشاعر. ما هو سر الانتقال من كتابة الشعر إلى التاريخ؟

– هذا صحيح، والسبب يعود إلى الشعر ذاته، فأنا عندما كنت أمارس الشعر قراءة وإنشاء كنت دائما ما أصطدم بالتاريخ شئت أم أبيت، فأنا في الشعر قارئ ومنشئ كنت ألتقي بشخصيات تاريخية سواءً تلك الشخصيات التي أنشأت قصائد الشعر كشعراء ما قبل الإسلام الذين كنت عاشقاً لشعرهم بالمرتبة الأولى لأنه كان – في رأيي – الشعر العربي الخام الذي لم تشبه شائبة أو الشخصيات التاريخية التي خلدها الشعر وما أكثر هذه الشخصيات التي كانت في معظمها هي الشخصيات الصانعة للتاريخ؛ هذا فضلاً عن احتواء الشعر للكثير من المعلومات التاريخية كأخبار المعارك والحروب، والجغرافيّة كذكر الكثير من المواضع والأماكن والمظاهر الجغرافية، لكل هذا عشقت التاريخ، وكان لابد لي من أن أتحول من الشعر إليه، وإن كان الشعر لم يفارقني أو أفارقه، ولكن قلت كتابتي له، وعلى أي حال فإن الشعر العربي عموماً ما عاد العرب يحتفون به مؤخراً ويعتبرونه ديوانهم كما كان الحال عليه من عصر ما قبل الإسلام حتى إلى ما قبل خمسة عقود من الآن.

هل هي ذاتها الأسباب التي دفعتك إلى التوجه إلى الكتابة التاريخية؟

– بالإضافة إلى ما ذكرته، فإنه توجد أسباب أخرى أجبرتني على التوجه للكتابة في التاريخ، ولاسيما تاريخ شرق الجزيرة العربية الذي كان له حضور كبير في ثقافة بلاد الرافدين السومرية والأكادية والآشورية حين كان يسمى دلمون، وكذلك كان له حضور جيد في تراث الثقافتين الهلينيستية الإغريقية والرومانية؛ بالإضافة إلى حوليات أعمال الكنيسة الشرقية القديمة أكثر من حضوره في الأعمال التاريخية العربية المدونة في صدر الإسلام وما بعده، وحيث انني قرأت كثيرا في مدونات هذه الثقافات التي ذكرتها، فقد لفت نظري هذا الحضور الكبير لهذا الجزء من الجزيرة العربية فيها؛ كما لفت نظري التقصير الكبير من أبناء هذه المنطقة في كتابة تاريخها، أو كتابته عن مصادر تفتقر إلى الدقة والموضوعية، ولأنني أيقنت من نفسي مقدرة على الكتابة عن بعض الجوانب التاريخية المتعلقة به، فكان هذا كله من أقوى الأسباب في توجهي للكتابة في التاريخ، وعلى الخصوص تاريخ شرق الجزيرة العربية أو ما كان يُعرف في السابق بإقليم البحرين.

تعاني حركة التدوين التاريخي اليوم في منطقة الخليج من العديد من التحديات لعل ابرزها ارتهانها الى مؤسسات علمية مرتبطة بأجندات خاصة فاقدة لاستقلالها الامر الذي ينال من مصداقية ما يصدر عنها من دراسات تاريخية تطوع الكثير من الحقائق التاريخية لصالح مآرب هي ابعد ما تكون عن الحقيقة والحياد العلمي. برأيك هل كتب تاريخ المنطقة كما ينبغي أن يكتب؟

– هذا كلام سليم وصحيح، وتاريخ المنطقة للأسف الشديد لم يكتب كما ينبغي أن يكتب، أو كما تفرضه أصول المنهج العلمي؛ بل الأدهى من ذلك أنه حُرّف وحوّر وزوّر أحياناً إرضاء لما سميتها بالمؤسسات العلمية في سؤالك، وعلى سبيل المثال فإنني وقفت شخصياً على أعمال عظيمة كتبت بغير اللغة العربية عن منطقتنا، وعندما قامت هذه المؤسسات المشار إليها بترجمتها إلى اللغة العربية وجدت في هذه الترجمات الكثير من التحريف والتحوير والتزوير أيضاً، ومن الأمثلة على ذلك الكتاب المرجعي الضخم المسمى في ترجمته العربية الأولى بـ «دليل الخليج»، فالتحوير في هذه الطبعة بدأ من العنوان حيث أنّ عنوانه هو (Gazetteer of the Persian Gulf, Oman and Central Arabia) ويعني في اللغة العربية (دليل الخليج الفارسي وعُمان ووسط الجزيرة العربية)، وأما عن التحريف والتحوير والتزوير الواقع داخل الكتاب من هذه الطبعة، فحدث ولا حرج، ولاسيما التحريف في أسماء المواضع والأماكن والمظاهر الجغرافية، فهو أكثر من أن يعد، وقد أشار إليه الكثير من الكتاب والباحثين الذين رجعوا إلى هذه الطبعة، والتي يمكن أن تقاس عليها ترجمات أعمال أخرى غير عربية تمت تحت مظلة هذه التي تُسمى بالمؤسسات العلمية الرسمية فضلاً عن أعمال تاريخية كتبت باللغة العربية تحت رعاية هذه المؤسسات لكتاب محليين وغير محليين كان أكبر همهم مراعاة التوجه العام لهذه المؤسسات والقائمين عليها حتى لو خالف ذلك أصول المنهج العلمي.

لعل أضخم مشروع علمي اخذ منك جهداً ووقتاً هو عملك في شرح ديوان ابن المقرب مع الأستاذين علي البيك وعبدالغني العرفات. ما قصة تحقيق الديوان الذي اخذ منكم كل هذه السنوات بحيث يصدر في 7 مجلدات؟

– يعتبر ديوان علي بن المقرَّب العُيوني المشروح أهم مصدر تاريخي عن المنطقة وصل إلينا على الإطلاق، وكل من كتب عن تاريخ المنطقة، ولاسيما تاريخ إقليم البحرين القديم هو عيال فيما ينقله على شعر هذه الشاعر وشروحه التي دون الشاعر نفسه كثيراً منها، ودون بعضها شارح مجهول أو أكثر؛ إلا أنّ هذا الديوان المهم جداً لم يُنصف في طبعاته السابقة التي جُرّد بعضها من الشرح ومن الكثير من شعر الشاعر كالطبعة المكية، أو اختصرت منه الكثير من المعلومات التاريخية مع نقص كبير في القصائد والقطع الشعرية كما هو الحال في الطبعة الهندية، وهي الطبعة التي كانت كل الطبعات اللاحقة لها عيال عليها، ومنها طبعة الدكتور عبدالفتاح الحلو – رحمه الله – الذي استطاع أن يسد النقص الحاصل فيها بالنسبة للأبيات والقصائد الشعرية الناقصة بفضل اعتماده على مخطوطات دار الكتب المصرية، ولكنه لم يستطع سد النقص الكبير في الشروح التي أعرض عنها ناشرو الطبعة الهندية، ولهذا فقد كان لابد من طبعة جديدة لهذا الديوان المهم يتم نشرها وفق المنهج العلمي الحديث لتحقيق المخطوطات، والذي يبدأ بالحصول على أكثر من نسخة مخطوطة مشروحة للديوان، وهو ما كان الهاجس الأول لنا أنا والصديقين علي البيك وعبدالغني العرفات، وبالفعل، فقد كانت البداية هي حصولنا على نسخة تعد من أهم وأقدم النسخ المخطوطة والمشروحة لهذا الديوان، وهي نسخة المكتبة الرضوية بمشهد الإيرانية، والتي كانت قبل ذلك من مخطوطات المكتبة قبل أن تنتقل إلى المكتبة الرضوية، ثم حصلنا بعد ذلك تباعاً على بعض أهم النسخ المخطوطة والمشروحة أيضاً مثل نسخة المكتبة الملكية ببرلين ونسخة المكتبة البريطانية وغير ذلك، فقررنا بعد دراسة هذه النسخ التي تجمعت لنا أنّ نسخة المكتبة الرضوية هي النسخة التي يجب اتخاذها كنسخة أم لعملنا في تحقيق الديوان، وإن كنا قد حاولنا الحصول على نسخ أخرى كانت في بالنا مثل نسخة مكتبة سانت بطرسبيرغ في روسيا وغيرها إلا أننا لم نوفق إلى ذلك في الطبعة الأولى، واكتفينا بما حصل لنا، وقمنا بعملنا نحن الثلاثة على قدر جهدنا وطاقتنا إلى أن خرجت الطبعة الأولى عام 2003 في ثلاثة مجلدات، ولم يمضِ على هذه الطبعة أكثر من عام ونصف حتى نفدت من الأسواق، وصار الكثيرون يطالبون بإخراج الطبعة الثانية، وفي الوقت ذاته بدأت العمل بمفردي هذه المرة للحصول على النسخ المخطوطة التي لم نتمكن من الحصول عليها في الطبعة الأولى، وبالفعل فقد يسّر الله لي الحصول على نسخة مكتبة سانت بطرسبيرغ، وأهم منها هو الحصول على نسخة نادرة جداً تحتفظ بها المكتبة الوطنية بطهران، وتعود إلى القرن السابع الهجري، وهو القرن الذي عاش فيه ابن المقرّب، فكانت هاتان النسختان، ولاسيما النسخة الطهرانية من أخطر المخطوطات لهذا الديوان حيث امتازتا بإضافات لم نجدها في النسخ الأخرى بما فيها النسخة الرضوية الأم التي كانت أصل عملنا في الطبعة الأولى، ومن هذه الإضافات احتفاظ هاتين النسختين بنص كتاب الصلح الذي تم بين حاكم جزيرة قيس السلطان شاه بن تاج الدين جمشيد وبين الفضل بن محمد بن أبي الحسين حاكم جزيرة أوال والقطيف في بدايات القرن السابع الهجري، وهي وثيقة تحتوي على الكثير من المعلومات التاريخية والجغرافية والاقتصادية بشأن تلك الحقبة، فعكفت هذه المرة بمفردي على الديوان محققا للطبعة الأولى على ما توفر لدي من مخطوطات جديدة، فكان أن خرجت الطبعة الثانية من هذا التحقيق عام 1433هـ (2012م) في سبعة مجلدات (4212 صفحة)، وقد جاء ديوان الشاعر وشرحه المحقق في هذه الطبعة في المجلدات الخمسة الأولى التي تحتوي على (3064 صفحة)؛ في حين اختص المجلد السادس الذي يحتوي على (433 صفحة) بالفهارس الفنية الشاملة، وأما المجلد السابع فهو عبارة عن دراسة تاريخية شاملة لسيرة ابن المقرَّب وشعره جاءت في (715 صفحة).

وسام السبع. صحيفة الوسط البحرينية – العدد 3801 – السبت 02 فبراير 2013م الموافق 21 ربيع الاول 1434هـ