43243232يُعد الشيخ يوسف بن أحمد العصفور البحراني (المتوفى سنة 1186هـ/ 1772م) أحد أصفى العقول البحرينية في القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي، ومن أهم الشخصيات الفقهية في المدرسة الإمامية، فلقد كان صاحب ذهن وشخصية متعددة المواهب والقابليات، وقد ترك العديد من المؤلفات التي تكشف عن غزارة علم، ويد طولى في علوم الفقه والرجال والتاريخ.

الشيخ يوسف، هو نجل الشيخ أحمد بن إبراهيم بن صالح بن أحمد بن عصفور بن أحمد بن عبدالشيخ بن عطية بن شيبة الدرازي البحراني، وصاحب الموسوعة الفقهية «الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة»، والتي ستغدو من أمهات كتب الفقه الإمامي.

وُلد الشيخ يوسف في الماحوز العام 1107هـ/ 1696م، حيث هاجر والده الشيخ أحمد من مسقط رأسه قرية الدراز ليستكمل مراحل دراسته العالية على المحقّق الشيخ سليمان الماحوزي. وقد اختصه جدّه لأبيه التاجر الصالح الحاج إبراهيم الذي كان يملك سفناً وعمالاً ويمتهن غوص اللؤلؤ ويتعاطى التجارة، فشبّ وصلُب عوده في كنف رعاية جده الذي أحضر له معلماً في البيت يعلّمه القراءة والكتابة، كما أحاطه والده برعايته وتصدّى لتدريسه.

عاصر الشيخ يوسف في مراحل عمره العديد من الاضطرابات السياسية والاجتماعية في وطنه البحرين، الأمر الذي فرض عليه أن يعيش في ترحالٍ دائم، فتوزَّعت حياته بين البحرين والقطيف وإيران والعراق، فما أن مضى من عمره خمس سنوات إلا وبدأت الحرب القبلية بين الهولة والعتوب في البحرين بكل تداعياتها المدمّرة.

اشتغل الشيخ يوسف في صباه بجمع أشعار المحقّق الشيخ سليمان بن الشيخ عبدالله الماحوزي (ت 1709م) وترتيبها على حروف المعجم في ديوان مستقل، لكن سرعان ما تعرّضت البحرين لهجومٍ عنيفٍ من قبل اليعاربة العمانيين، وأسهم اشتعال الأحداث في ضياع جهد الشيخ، إذ باغت العمانيون أهل البحرين بهجومين عسكريين، وتمكّنوا في الهجوم الثالث من محاصرة البلاد بسد منافذها البحرية إلى أن احتلوها عنوةً، «وكانت واقعة عظمى وداهية دهماء، لما وقع من عظم القتل والسلب والنهب وسفك الدماء». وقد حدثت على إثر ذلك هجرةٌ جماعيةٌ واسعةٌ للقطيف، منها عائلة الشيخ يوسف التي تعرّض منزلها في الشاخورة إلى السلب وضاعت بذلك ثروة علمية لا تُقدّر بثمن.

أخذ الشيخ يوسف يتردد من مهجره القطيفي على البحرين للاشتغال بالزراعة وتعهّد أملاك العائلة في الماحوز، إلى أن ارتخت قبضة اليعاربة العمانيين على البلاد وانتُزعت منهم، ما أدى إلى عودة جماعية لأهالي البحرين من مهجرهم القطيفي، فيما فضّل البعض البقاء والاستقرار هناك.

دفع استيلاء الهولة على البحرين وحكمها بعد استيلاء الأفاغنة على ملك الشاه سلطان حسين وقتله وتدهور الأوضاع في البلاد بالشيخ يوسف إلى الهجرة إلى إيران، وبقي في كرمان ومنها الى شيراز حيث اشتغل بالتدريس في مدرسة السلطان الميرزا محمد تقي خان، وأقام الجمعة والجماعة.

وقد اشتغل وقتئذٍ في التأليف والتصنيف، فألّف جملةً من مصنّفاته وأجوبة المسائل الواردة إليه، لكن الاضطرابات ما لبثت أن اجتاحت شيراز، فخرج منها إلى بعض القرى، وأرسل أولاده إلى البحرين، وبدأ بتأليف «الحدائق الناضرة»، كما اشتغل بالزراعة لمعاشه، وكان حاكم شيراز آنذاك الزعيم محمد علي، الذي كان يكن اعتزازاً ومحبةً للشيخ، حتى ثار نعيم دان خان العام 1750، وهجم على مكان إقامة الشيخ، واقتُحمت داره وهو مريض ونُهبت أمواله وأكثر كتبه ومؤلفاته؛ وفرّ منها مريضاً بعائلته صفر اليد، يجوب الجبال والقفار حتى استقر بناحية «اصطهبانات» ولبث فيها مدة، قبل ان يتوجه إلى العراق.

تعد كربلاء المحطة الأخيرة من حياة الشيخ، وهي المحطة التي استقر فيها حتى سنة وفاته، ولا يُعرف على وجه التحديد متى نزل الشيخ يوسف كربلاء، لكن الذي يظهر من تاريخ بعض تآليفه أنه حلّ بها قبل العام 1169هـ/ 1756م.

وعلى هذا الفرض يكون قد زاول نشاطه العلمي في كربلاء طوال 17 عاماً الأخيرة في حياته.

تركت النكبات المتوالية ألماً كبيراً لدى الشيخ، فلا تكاد توجد له قصيدة إلا ويذكر فيها شيئاً من معاناته في الحياة، وأكثر ما آلمه وأحزنه فقده كتبه وتراثه العلمي؛ فقد كرّر لفظ «فقد الكتب» أو ما يشير إليها أكثر من عشر مرات في كتاب «اللؤلؤة»؛ وهو ما يعطي دلالةً على حجم الألم النفسي الذي كان يشعر به حتى قال في واحدةٍ من قصائده:

وأعظم حسرة أضنت فؤادي… تفرّق ما بملكي من كتاب ومن بين أبرز المصنفات ذات القيمة التاريخية العالية التي وضعها الشيخ يوسف كتابه الرجالي الشهير «لؤلؤة البحرين في الإجازة لقرتي العين»، وهو عبارة عن إجازة كبيرة كتبها لابني أخويه الشيخ حسين ابن الشيخ محمد والشيخ خلف بن الشيخ عبدعلي، اشتملت على تراجم أكثر علماء الإمامية إلى عصر الصدوقين، وفيها أظهر الشيخ يوسف تتبعاً منقطع النظير للرجال، وإحاطةً بالتراجم مع إلماعات تاريخية مهمة واكب الكثير من أحداثها، ودوّن فصولها كشاهد عيان.

ويعدّ كتاب «اللؤلؤة» موسوعةً رجاليةً ذات قيمةٍ تاريخيةٍ مهمة، وسيأتي بعد الشيخ يوسف؛ الشيخ علي البلادي البحراني (ت 1340هـ/ 1922م) بعد حوالي قرن ونصف القرن، ليضع كتاب «أنوار البدرين في تراجم علماء القطيف والأحساء والبحرين»، من أجل استكمال هذه المهمة التاريخية المهمة في توثيق تراجم رجال العلم البحرينيين. فالشيخ يوسف العصفور توفّي في العام 1186هـ/ 1772م، أي أن الفارق الزمني بين وفاة الرجلين تقدّر بحوالي مئة وخمسين عاماً.

وعلى رغم أن الأولى هي «إجازة كبرى» والمصنّف الثاني موسوعةٌ رجالية؛ فإن الكتابين يؤديان وظيفةً تاريخيةً واحدةً تقريباً، تتلخص في الكشف عن تاريخ البلاد وأبرز رموز الحركة العلمية فيها. ومعنى أن تكون «اللؤلؤة» إجازةً: أنها تتخطى حواجز الجغرافيا للبلدان، فيؤرخ مصنّفها عمن يروي عنهم، وبالتالي قد يترجم صاحب الاجازة لعالم دين إيراني في بهبهان أو مجتهد عراقي من كربلاء أو محدّث من جبل عامل، في حين يغفل الترجمة لفقيه بحريني من أهل جدحفص أومقابة أو بوري، لأنه لا يروي عنهم.

وليس نسبة اللؤلؤة إلى «البحرين» سوى من قبيل نسبة ما يكتبه المُصنّف إلى الأرض التي يكون فيها وقت التصنيف، وهو أمرٌ تعارف عليه عند علماء ذلك الوقت، فحين يكون المصنّف في شيراز قد يكتب «الرسالة الشيرازية»، أو يكون في بهبهان تكون «البهبهانية» وهكذا.

إن حياة الشيخ يوسف حياةٌ حافلةٌ بالعطاء العلمي، وقد عاش قرناً مضطرباً من الناحيتين السياسية والاجتماعية، لكن ذلك لم يمنعه من مواصلة مشروعه العلمي. وقد رفد المكتبة الإسلامية بذخائر تعدّ اليوم من نفائس التراث الاسلامي الذي يكشف عن روح ذلك العصر. ويبقى على البحرينيين أن ينفضوا غبار الإهمال عن هذا التراث العلمي العريق للتصدي لمحاولات التشويه والعبث بالذاكرة التاريخية.

بقلم وسام السبع صحيفة الوسط – العدد 3776 – الثلثاء 08 يناير 2013م