scan00193بلكنة عراقية محببة، يستقبلك هذا السمهري البشوش، وقد خط المشيب رأسه، وأنت تهم بالدخول إلى داره التي تكدست فيها أوراق قديمة وبضعة كتب وخرائط لأشجار نسب عتيقة. تطالعك على جدار غرفة الجلوس صورة باسمة للزعيم العربي الأسمر جمال عبدالناصر. وبترحاب قدم لي مضيفي وثائق تاريخية مهمة. ربما كان شغفه بتاريخ العائلة باعثاً لهذا التجاوب الكريم، لكن المؤكد أن أريحيته السمحة تنم عن كرم أصيل.

تحمل ذاكرة سيدعبدالوهاب القاروني المولود في المحمرة العام 1929 م الكثير من التجارب التي شكلتها سنوات الهجرة الطويلة بعيداً عن الوطن، وتجسد روح المثابرة التي تحلى بها أهل البحرين في مواجهة مشاكل الغربة وعوائق التكيف مع البيئة الجديدة.

يقول سيدعبدالوهاب نجل السيدحمزة القاروني (ت 1942) الذي وُلد بدوره نائياً عن وطنه الأم، ولم تكتحل عيناه برؤية ترابه حتى توفي في النجف الأشرف، يقول إن العائلة بدأت رحلة العودة إلى الوطن في العام 1951، إلا أن بقايا وفروع العائلة لاتزال تعيش في المحمرة وأصفهان والبصرة والنجف وكربلاء وبغداد، ومنهم أحفاد المحدث والمفسر السيدهاشم القاروني الملقب بالتوبلاني البحراني، وتذكر دراسات تاريخية أن أولاد السيدهاشم البحراني (توفي 1695) وأحفاده قد استقر بهم المقام في أصفهان بإيران.

ويؤكد أن هجرة العائلة إلى العراق حصلت على الأرجح قبل نحو 200 سنة، وكانت بسبب الأوضاع السياسية غير المستقرة التي شهدتها البلاد حينها، وأن أول من هاجر من البحرين من آل قاروني هو جدهم السيدحسين القاروني.

scan00193

سيد حمزة القاروني

اتخذ السيد حسين القاروني قبل نحو قرنين من الزمن مدينة البصرة مقراً لإقامته في العراق العثماني، وقد استجاب إلى طلب أمير المحمرة آنذاك جابر بن مرداو يوسف الكعبي (1829 – 1881) والد الشيخ خزعل الكعبي بالإقامة في المحمرة لمباشرة المهمات التبليغية. وحسبما يؤكد السيد عبدالوهاب فإن الجد السيد عبدالقاهر امتنع في بداية الأمر بسبب ارتباط العائلة بالتعهد بأمر الحسينية التي أسستها في البصرة «حسينية السادة» والروابط الاجتماعية الوثيقة التي نسجها مع المجتمع البصري؛ إلا أن حاكم المحمرة الشيخ جابر بن مرداو ألحّ في الطلب وقدّم تعهداً بتوفير أرضٍ بديلةٍ في المحمرة لتأسيس حسينية، إلى جانب توفير أراضٍ لاتخاذها مقراً لسكن آل القاروني، وهو ما حدث بالفعل. فقد أسس السيدعبدالقاهر القاروني قبل نحو 150 عاماً «مأتم السادة» في منطقة «الحيزان».

ظلّت المحمّرة تحتفظ بأكبر عددٍ من أفراد عائلة القاروني مقارنةً بغيرها من المدن الإيرانية. كما أن هناك تواجداً مهماً للعائلة في منطقة الفلاحية (شاديكان)، وحسبما يُذكر فإن حجم العائلة يبلغ أكثر من 1000 فرد من السادة القارونيين.

يفوق حجم الجالية البحرينية في المحمرة 3500 نسمة، وحسبما يؤكد ضيفي فإن أغلب هذه العائلات لاتزال تحتفظ بألقاب مناطقية مثل آل الستري، آل المقابي، آل البوصيبع، وآل الدرازي، وهي المناطق والقرى التي نزحوا منها، لكن عدداً قليلاً من هذه الأسر والبيوتات انصهرت في المجتمع الإيراني لأسباب اقتضتها طول الإقامة، كما قام بعضها بتغيير ألقابها المعروفة بما يتلاءم مع وضعها الجديد.

123

السيد عبدالوهاب القاروني

لآل قاروني لقبٌ آخر هو «قاهري»، ولهذا اللقب حكاية يرويها ضيفي فيقول: عندما احتلت الحكومة الإيرانية منطقة المحمرة العام 1925 بدأت على الفور بإجراء إحصاء سكاني فيها، وقد جاء فريق مخصّص لهذا الغرض وكان القائم بأمر الإحصاء قد تفاجأ بعدد حاملي لقب «قاروني»، وقال مخاطباً جمع العائلة المتجمهر حوله: هل يعقل أنكم جميعاً تحملون اللقب ذاته؟ فبادر واحد من أبناء عمنا واسمه سيدمحمود وقال له: إذاً سجّلني سيدمحمود «قاهري»! (نسبة لجد العائلة السيدعبدالقاهر سيدحسين القاروني) فدوّن الموظف هذا اللقب، وبات منذ تلك الحين لقباً يُطلق على عمي وأبنائه وذراريهم.

وعلى رغم أن الجالية البحرينية – كما مرّ – تزيد على 3500 في المحمرة، إلا أن العدد الفعلي يزيد كثيراً على ذلك في المناطق الأخرى، إذ يملكون تواجداً مهماً في البصرة والدورق وفي مدنٍ عديدة، ناهيك عن العائلات التي غيّرت من لقبها وذابت في نسيج المجتمع المحيط بها.

لقد سكن البحارنة في «المحمرة» و «كوت المحمرة» و «كوت الشيخ» و «الخيران» و «أم الجريدية» بعد أن أضطروا للهجرة من بلدهم البحرين، وقد اشتهروا جميعاً بتجارتهم حيث ركزوا على تجارة الأقمشة والحبوب وبرعوا فيها، وسبب ذلك يعود إلى هجرتهم المفاجئة من بلاد البحرين حيث امتهنوا التجارة لكسب عيشهم من دون أية مهنة أخرى.

يذكر أن البحارنة تركوا موطنهم الأول وهم من عرب البحرين بسبب الخلافات السياسية آنذاك والتي كانت تكبر حيناً وتخف أحياناً، إلى أن هاجروا أخيراً ووصلوا إلى خوزستان حيث تعايشوا مع قبائل المحمرة كبيت غانم والهلالات وبيت كنعان، وقد تناسبوا مع بعضهم وتفرّع البحارنة بيوتاً عدة عرف منها: بيت البحراني، بيت الناس، بيت الشماس، بيت المولاني، بيت الليث، بيت الصفار.

كانت علاقة عائلة القاروني بأمراء المحمرة يحكمها ود متبادل واحترام وتوقير من الجانبين، كما ترتبط عائلة القاروني بعلاقة مصاهرةٍ مع عائلة آل خاقاني وآل العصفور، كما أن العائلتين المذكورتين بينهما علاقة مصاهرة متينة حيث تكثر بينهما الزيجات.

وبحوزة سيدعبدالوهاب القاروني رسالةٌ غير مؤرخة من أحد أفراد العائلة القارونيين المقيمين في النجف الأشرف، واسمه سيدعدنان سيدعيسى القاروني، تتضمن معلومات عن هجرة السيدعلوي الذي وُلد في البحرين سنة 1860، وتقول عنه: «هاجر من موطنه البحرين إلى العراق بمعية الشيخ زين الدين والشيخ عبدالعزيز الذي أعقب الشيخ علي والشيخ محمد أمين مع السادة آل البراق، وكان يتصل بهم دائماً ومن المقربين له نسبياً متخذين من البصرة وأبوالخصيب ومن قرية نهر خوذ موطناً لهم».

كما ويحتفظ سيدعبدالوهاب القاروني برسالةٍ أخرى مؤرخة بعام 2004 من أحد السادة القارونيين المقيمين في المحمّرة، مشيراً إلى أنه مع إخوته وعمومته الموجودين حالياً في إيران أكثر من 200 نسمة.

والذي يبدو من خلال الوثائق المتاحة، أن هجرة العائلة لم تكن دفعةً واحدة، بل كانت على مراحل تاريخية، لكنها حتماً اشتدت وتكثفت منذ أواخر القرن التاسع عشر واستمرت حتى بدايات مطلع القرن العشرين.

إحدى الوثائق المهمة عبارة عن تقرير ارسل الى المتعمدية البريطانية في بوشهر عن تاريخ البحرين، كتبه ابو القاسم بن عباس بتاريخ 7 اكتوبر 1872م (الذي كان وكيلا عن بريطانيا في البحرين في منتصف القرن التاسع عشر)، إذ كتب يقول «سابقا كانت البحرين تحت أهلها البحارنة، وهم سادات ال حمران وال ماجد وال عبدالرؤوف وسادات القاروني، كل منهم متصرف في قطعة منها…».

بدأت رحلة العودة لبعض من عائلة قاروني إلى بلدهم البحرين في العام 1951، بعد اشتداد حملة المضايقات الفارسية على عرب المحمرة، فقد كان لبعضهم نشاطٌ سياسيٌ في صفوف الحركة الوطنية العربية التي تعمل على استرداد الحكم العربي.

صحيفة الوسط البحرينية – وسام السبع العدد 3720 – الثلثاء 13 نوفمبر 2012م