Search

صويلح: كشوفات الباحثين في آثار البحرين لا تزال تنتظر دمجها في المعرفة التاريخية الرسمية

الوسط – حبيب حيدر

أكد الباحث في آثار وتاريخ البحرين عبد العزيز صويلح أن إنتاج عدد كبير من المنشورات العلمية في حقبة قصيرة من الزمن، عقَّد مسألة تركيب المعطيات الجديدة الكثيفة والمتراكمة داخل المعرفة التاريخية السابقة حول مملكة البحرين. وقد نتج عن ذلك مجموعات مستقلة من المعارف التاريخية المتجاورة التي تحوم حول «التاريخ الرسمي» المعتمد للمملكة دون أن تشكل جزءا منه، وهي بالتالي لا تزال تنتظر دمجها في المعرفة التاريخية الرسمية، جاء ذلك خلال الحوار مع صويلح في برنامج «مسامرات ثقافية» والذي يبث اليوم على «الوسط أون لاين» .

الباحث عبدالعزيز صويلح ما الهاجس الأساسي الذي انشغلتَ به في بحثك عن التسلسل الحضاري لمملكة البحرين عبر سبرك لمختلف نتائج التنقيبات الأثرية؟

– أخذت دراستي الصادرة حديثا على عاتقها، كما يتضح من مسماها (التسلسل الحضاري لمملكة البحرين على ضوء التنقيبات الأثرية بين 1879 – 2000م)، توضيح مساهمات الرواد ومختلف بعثات التنقيب إلى جانب إبراز حجم النشاط الرسمي الوطني في كشف النقاب عن حضارة مملكة البحرين القديمة، وصولا إلى إيضاح ما توصل إليه كل منها من نتائج أسهمت في التعرف، من خلال الدليل الأثري، حول المسيرة الحضارية لمملكة البحرين عبر التاريخ، بدءا من العصور الحجرية (50.000 ق . م) وصولا إلى الفتح الإسلامي (636 م) ودخول البلاد في حظيرة الدولة الإسلامية. ولقد تمخض عن تلك الأعمال التنقيبية والمسوحات الأثرية اكتشافات مختلفة تمثلت في مدن ومعابد، بالإضافة إلى التعرف على طرق مختلفة لدفن الموتى من خلال التنوع في أشكال تلال المدافن والأساليب التي اتبعت لحفظ جثامينهم.

ينشغل بحثكم من عنوانه بمحاولات الجمع بين نتائج التنقيبات الأثرية بما أسميته التسلسل الحضاري للملكة البحرين فما أهم القضايا والأسئلة التي واجهتك خلال البحث؟

– عنوان البحث يطرح بطريقة غير مباشرة، إلى جانب هاجسه الأساسي، قضايا ضمنية أخرى لا تقل أهمية عن موضوع اهتمامه. وبعض هذه القضايا لا يزال يثير جدلا كبيرا في أوساط المهتمين بالعلوم الإنسانية، فإذا كانت القضية الكبرى بالنسبة للبحث الحالي؛ هي رصد الإضافات المعرفية التاريخية التي أتت بها أعمال التنقيبات الأثرية التي مورست خلال نصف قرن على أرض مملكة البحرين، أو تصحيح المعرفة التاريخية السابقة فإن من القضايا الأخرى التي قد تنبثق بصورة طبيعية عن عمليات الرصد المذكورة، نذكر قضية التأريخ وموضوعيته، من جهة؛ وقضية وثوقية وصدقية مصادر المعلومات التي يستند إليها المؤرخ وعالم الآثار من أجل إعادة تركيب الحقيقة، ورسم تصور شبه متكامل لنسق دورة العمل الخاصة بالمجتمع، أو بالمؤسسة التي تهمه، من جهة أخرى.

وتبزغ ضمن هذا السياق، أسئلة عديدة منها مثلا: هل تاريخ مملكة البحرين – المعروف حاليا – في العصور القديمة، مطابق فعلا لما كانت عليه حياة الناس في الحقبة الزمنية المدروسة؟ هل الإضافات التي قدمتها أعمال التنقيبات الأثرية تتناول عناصر أساسية تُغَيّر في جوهر المعرفة التاريخية حول هذه الحقبة المدروسة أم إنها مجرد تفصيلات تضيء بعض المساحات الخارجية التي لا تمس الأساسيات؟

تتابعت على مملكة البحرين مجموعة كبيرة من المنقبين والبعثات الآثرية المختلفة الأغراض والنتائج، فما أهم الملاحظات التي رصدتها في تعاقب التنقيبات الأثرية والتي من خلالها حاولت استجماع المعلومات الأساسية لتاريخ البحرين؟

– بدأ الاهتمام بالتاريخ الحضاري للبحرين منذ القرن التاسع عشر، على يد مجموعات من هواة الآثار، التي توالت على المملكة، سعيا للتعرف على آثارها. وشكل إسهامهما المبكر دافعا لبعثات التنقيب المدعومة من جمعيات ومؤسسات علمية ومتاحف على إجراء تنقيبات أثرية فيها؛ لكشف النقاب عن أهمية آثارها، إذ قامت بأعمال تنقيب متفرقة شملت مناطق عدة من المملكة. وشاركت في التنقيب بعثات أورو – أسيوية وأسترالية وعربية، إضافة إلى فرق التنقيب الوطنية. نشرت كل بعثة منها أنواعا مختلفة من التقارير الأولية حول العمل الميداني الذي قامت به، إضافة إلى تقارير تتضمن ما توصلت إليه من نتائج، ولوائح بالآثار التي اكتشفتها والتحليلات والمعرفة التاريخية الجديدة التي بنتها استنادا إلى المكتشفات التي استخرجتها معاول باحثيها، سواء من مواقع المستوطنات أو من تلال المدافن. وهذا الزخم في عمليات التنقيب والبحث الآثاري، أدى إلى إنتاج عدد كبير من المنشورات العلمية في حقبة قصيرة من الزمن، الأمر الذي عقَّد مسألة تركيب المعطيات الجديدة الكثيفة والمتراكمة داخل المعرفة التاريخية السابقة حول مملكة البحرين. وقد نتج عن ذلك، مجموعات مستقلة من المعارف التاريخية المتجاورة التي تحوم حول «التاريخ الرسمي» المعتمد للمملكة دون أن تشكل جزءا منه، وهي بالتالي لا تزال تنتظر دمجها في المعرفة التاريخية الرسمية.

تترصد البحوث والرسائل العلمية كعرف منهجي مجموعة من الإشكالات التي لابد من الإجابة عليها حين خوض الغمار الموضوعي عادة ولعل أولها بيان أهمية وجدة البحث نفسه فما أهمية مثل هذا البحث؟

– لعل أهمية هذا البحث الذي قمت به على مدار خمس سنوات من الدراسة والتحليل تكمن في محاولة رصد الأعمال التي نفذتها كل بعثة من بعثات التنقيب والنتائج التي توصلت إليها والتقارير التي قدمتها حول إنجازاتها.

وكذلك محاولة تحديد الإضافة العلمية التي قدمتها كل بعثة من بعثات التنقيب على مستوى إثراء المعرفة التاريخية المتعلقة بتاريخ مملكة البحرين.

وتحديد الإسهام العلمي الذي قدمته كل بعثة من بعثات التنقيب على مستوى إثراء المعرفة التاريخية وتاريخ الحضارات. ورسم صورة حقيقية من خلال الدليل الأثري حول التسلسل الزمني لحضارة مملكة البحرين وحجم إسهامها في مسيرة الحضارة الإنسانية، حسبما أفرزته نتائج مختلف التنقيبات التي نفذتها بعثات وفرق التنقيب في المواقع الأثرية.

لعل لكل بعثة أثرية هدف مختلف من التنقيب والبحث الميداني ما أهم الدوافع التاريخية التي شكلت هاجسا أساسيا للبعثات الأثرية في اختيارهم للبحرين والتنقيب فيها؟

– شهدت مملكة البحرين أوسع النشاطات الأثرية وأقدمها في منطقة الخليج العربي والتي استهدفت في البداية كشف النقاب عمّا يتعلق بالكم الهائل من تلال المدافن والتعرف على آثارها ومدى علاقتها بأقدم الحضارات التي نشأت في الشرق الأدنى القديم، حيث كان البحث الأثري منصبا على إثبات مدى علاقة مملكة البحرين بحضارة دلمون، وهل هي الأرض المقدسة التي تحدثت عنها النصوص المسمارية الرافدية؟ وهل هناك علاقة بين الكم الهائل من تلال المدافن والجنة السومرية؟. وعلى ضوء ذلك، انحصر تساؤل فرق التنقيب في الإجابة عن السؤال التالي: هل كانت البحرين مقبرة لدفن الأموات؟ وإذا كانت كذلك، فإن مسألة العثور على مستوطنات أمر مستبعد، إلا أن أعمال التنقيب أوضحت أمورا كثيرة ومغايرة في أغلب الأحيان لما ذهبت إليه وجهات نظر رواد العمل الأثري.

ما الصورة النهائية التي استقرت عليها رؤيتكم للتسلسل الحضاري لمملكة البحرين، ما الخريطة المعلوماتية التي أعدتم رسمها في بحثكم عن مملكة البحرين؟

– لعل من أول النتائج أنه لا توجد خريطة مساحية رسمية شاملة محدد عليها ما تحويه مختلف جزر المملكة من مواقع ومعالم أثرية، على الرغم من صغر المساحة الجغرافية لجزرها.

وإن أغلب أعمال التنقيب التي قامت بها الفرق الوطنية والبعثات العربية لم تخضع لخطط محددة، كما أن تلك التنقيبات تمت في ظروف لم تمكن القائمين عليها من إعداد الدراسات الوافية حول طبيعة مكتشفاتها والنتائج التي تم التوصل إليها، ولذلك لم يتبق مما تم من تلك الأعمال إلا ما عثر عليه من مواد أثرية وهي بالآلاف وتحتاج إلى الكثير من الاهتمام والحفظ والصيانة، كما تحتاج إلى تهيئة الأطر الوطنية أكاديميا للقيام بدراستها، وبالتأكيد سوف يستنبط منها الكثير من المعلومات المتعلقة بإسهام أصحابها في سلم الحضارة الإنسانية.

وقد شكلت الإمكانيات الطبيعية البسيطة لمناطق الخليج العربي، من عيون وينابيع للماء وما جاد به الخليج من خيرات ووجود السواحل والخلجان الآمنة، أهمية كبيرة في عملية الجذب البشري لمناطقه الساحلية الغربية والجزر المقابلة لها ونشوء تجمعات بشرية أسست أولى المستقرات البسيطة خلال الفترة المبكرة من عمر حضارة المنطقة، لتتحول تلك التجمعات البشرية فيما بعد، خلال فترة دلمون إلى مدن متقاربة ترتبط بثقافة واحدة. كما لا نستبعد أن يكون هذا الارتباط ارتباط نسب وقربى – كما هو حاصل في الوقت الحاضر من علاقة بين سكان دول الخليج العربية – وأدى ذلك الارتباط بالإضافة إلى ارتباط المصالح والمصير المشترك إلى تعاون فيما بين المدن الدلمونية ودعم الجهد الكبير الذي لعبه الدلمونيون في منطقة الخليج العربي ومنطقة الشرق الأدنى القديم.

ونظرا لتباعد المدن الدلمونية (المراكز الحضارية الدلمونية) أصبح من الصعوبة تكوين سلطة واحدة يكون فيها الحكم مركزيا في يد ملك أو حاكم واحد يدير شئونها سواء ما نشأ منها في شرق الجزيرة العربية أو الجزر المقابلة له. ولذلك نرى أن كل مدينة دلمونية تم اكتشافها والتعرف عليها في مملكة البحرين كانت تدار من قبل ملك أو رئيس كان يتولى شئون الجماعة في ما يخص الشئون الدينية والسياسية والتجارية، على غرار نظام المدن السومرية، وأن ما ورد من إشارات لملوك دلمون في بعض النصوص المسمارية المكتشفة في بلاد الرافدين يشجعنا على افتراض أن تلك الأسماء تعود لملوك تلك المدن كما هو الحال بالنسبة لرؤساء القبائل في المجتمعات البدوية. ومما يدعم ما أشرنا إليه، الاختلاف في أشكال المعابد ومخططاتها والتي تم الكشف عنها في باربار وسار ودراز، وتوضح أن لكل مدينة معبدها ومعبودها الخاصين بها. ولو كانت تلك المدن تخضع لحكم وإدارة واحدة دينية وسياسية لوجدنا تشابها في تخطيط المعابد والرموز الإلهية المعبودة.

كما وجدت أن معبد باربار تأثيرات رافدية واضحة من حيث التخطيط ومراحل الإنشاء انعكست على العقيدة الدينية التي وضحت من خلال نقوش رموز الآلهة على الأختام الدلمونية. إلا أن معبدي دراز وسار يمثل كل منهما شكلا مختلفا من حيث التخطيط مما يشير إلى أنها خصصت لعبادة آلهة مختلفة محلية الطابع.

وإن التنوع في أشكال تلال المدافن الدلمونية وطرق عمارتها وإنشائها، على الرغم من تزامن بعضها في فترة الإنشاء، مؤشر آخر يدل على تعدد الديانات في المدن الدلمونية واختلاف السلطات الإدارية والدينية فيها والتي فرضت على كل مجموعة تابعة لها إنشاء بيوت الآخرة بشكل مختلف عن المجموعة الأخرى.

ما أهم ما توصلت إليه دراستكم من مكتشفات تمثل أهم نتائج للبحث في ما تركته البعثات الأثرية من مشتركات؟

– لعل إجابة هذا السؤال مواصلة لما ذكرته إذ شكلت مجموعة الألواح المسمارية التي اكتشفت في موقع البحرين، رغم قلتها، بما في ذلك اللوح الحجري الذي اكتشفه ديوراند إشارة واضحة إلى أن الدلمونيين عرفوا الكتابة بالخط المسماري، واستخدموه في كتابة ما يخص شئونهم الإدارية. وعدم اكتشاف كتابات كثيرة، يشير إلى احتمال أن يكون الدلمونيون قد كتبوا على مواد لا تقاوم الزمن.

وأكد على ما ذهب إليه كورنوال بأن الكاشيين كانت لهم سيطرة مباشرة على دلمون – على الأقل على المدن الدلمونية التي كشف عنها في مملكة البحرين – وأن الحاكم الكاشي فرض على أهلها الخضوع لحكمه بالقوة. ومن المؤشرات التي توضح القيادة الكاشية المتصلبة، ما تعرض له معبد باربار الثالث من تدمير، والذي يعود إلى نفس الفترة الزمنية التي وجدت فيها مستوطنة سار. كما منعت سكان المدن من ممارسة طقوسهم الدينية الخاصة بهم، وأخضعتهم لسلطتها الدينية، ما أدي إلى ترك ممارسة العبادة في معبد مستوطنة سار والذي انعكس على عدم وجود من يقوم بصيانته والمحافظة عليه بسبب الهجرة الجماعية المنظمة لسكانها حفاظا على ديانتهم.

وخلال الفترة ما بين القرنين السادس والرابع قبل الميلاد عندما كانت مملكة البحرين، بما في ذلك المناطق الأخرى التي خضعت للحكم الأخميني، بدأت حضارة دلمون في الأفول، من خلال فقد الخط الملاحي الذي يمر عبر الخليج العربي لأهميته وأصبحت حركة التجارة منقطعة ما بين بلاد الرافدين ومراكز حضارة دلمون والتي كانت السبب الرئيسي والمباشر في قيامها، حيث بدأت خطوط التجارة البرية تنشط على حساب خطوط التجارة البحرية.

وقد شكلت مملكة البحرين قاعدة عسكرية خلال الفترة السلوقية في بلاد الرافدين لذلك زارها انطيوخس الثالث(223 – 187 ق . م)، وربما كان هدف تلك الزيارة الاطمئنان على حاميته العسكرية الموجودة في القلعة، على اعتبار أنها تمثل ميناء يستخدمه الأسطول السلوقي الموجود في منطقة الخليج العربي لمراقبة الأوضاع وحماية الطريق التجاري البحري.

العدد : 2603 | الخميس 22 أكتوبر 2009م الموافق 05 ذي القعدة 1430 هـ




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*