Search

قبيلة عبد القيس تاريخ وأمجاد

2ما زال البعض يسأل من هم البحارنة، ما هي اصولهم، متى وكيف جاءوا الى البحرين، هذه الاسئلة وغيرها تكررت كثيرا في الاونة الاخيرة لا سيما بعد حملة التشكيك التي قادها بعض الكتاب المأجورين ورغم ما يثار من هرج ومرج تبقى الحقيقة ناصعة وواضحة فالبحارنة ينحدرون من قبيلة عبدالقيس القبيلة التي شهد لها القاصي والداني في تفانيها ووقوفها الى جانب الحق على امتداد التاريخ دون عصبية او تردد وهذا البحث الذي يتناول بعض المحطات من تاريخ عبدالقيس هو قليل من كثير.
(الجزء الاول)
لقد كان إقليم البحرين القديم (من البصرة شمالاً إلى عمان جنوباً ومن الخليج شرقاً إلى الدهناء ونجد غرباً) أحد المنازل للعديد من قبائل الجزيرة العربية. أهمها عبد القيس والأزد وإياد وتنوخ وبنو وائل وبنو تميم، ثم بنو عامر بن صعصعة الذين كان لهم بعض الإمارات كإمارة آل عصفور وآل جبر، وغيرهم من القبائل التي كانت تبحث عن خصوبة الأرض ووفرة المياه، أو لأسباب أخرى متعددة.
إلا أننا سنركز حديثنا هنا على أهم وأبرز هذه القبائل حيث ينتمي إليها أغلب السكان الأصليين لإقليم البحرين بحواضره الثلاث الأحساء والقطيف وجزيرة أوال (مملكة البحرين حالياً). إلا وهي قبيلة عبد القيس التي كان لها دور بارز في سير الأحداث، حيث إن هذه القبيلة ظلت سيدة هذا الإقليم واللاعب الأساسي به منذ حلولها به إلى القرن السابع الهجري بزوال حكم الدولة العيونية يتخلل ذلك حكم القرامطة وأنصارهم من بداة الجزيرة العربية في ذلك الوقت وعلى رأسهم بنو عامر بن صعصعة وبنو سُليم.
التعريف بالقبيلة ومنازلهاوأهم أخبارها في الجاهلية:
لا تكاد تخلو كتب التاريخ والأنساب من ذكر قبيلة عبد القيس الربيعيّة العدنانية لما لها من مكانة في الجاهلية وبعد الإسلام ولما حظيت به من المديح والثناء من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فهم آل عبد القيس بن أفصي بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة، ويلتقون مع بكر بن وائل في أفصي [1] .
توجهت قبيلة عبد القيس للبحرين (إقليم البحرين) واستقرت بها وكان قائدهم آنذاك هو عمرو ابن الجعيد العبدي[2] . وقد كانت لعبد القيس قبل نزوحها للبحرين برئاسة والده الجعيد بن صبرة العبدي السيادة على قبائل ربيعة بل على آل معد بن عدنان قاطبةً، وفي ذلك يقول الحارث الشيباني:
غنينا في تهامة قاطنيها
ليالي العز أيام الجعيد
تدين له القبائل من معد
كما دانت قضاعة لابن زيد
وكذلك يقول ابن المقرب العيوني البحراني مفتخراً بقبيلته عبد القيس:
في الجاهلية سدنا كل ذي شرف
بالمأثرات وسدنا العرب والعجما
وسار كل معدي لنا تبعاً
يرعى بأسيافنا الوسمي حيث هما
والجدير بالذكر هو أن قبيلة عبد القيس تعتبر من أرحاء العرب الست وهم عبد القيس وبكر بن وائل (من ربيعة)، وتميم وأسد بن خزيمة (من مضر)، وطيء وكلب بن وبرة (من قحطان)[2] .
وقد كانت عبد القيس تسكن تهامة الحجاز مع مجمل قبائل ربيعة، فحدث خلاف كانت نتيجته هي أول حرب تقع في التاريخ بين قبائل ربيعة التي كانت بين آل عبد القيس وآل النمر ابن قاسط فاقتتلوا قتالاً شديداً فكان الفناء والهلاك في النمر ابن قاسط. وبعد تلك الحرب تفرقت ربيعة وارتحلت فروعها. ولحرب ربيعة وانتقال عبد القيس وحروبها مع القبائل التي كانت تسكن البحرين قبلها تفاصيل عديدة لا يتسع المجال للخوض فيها هنا لكننا نذكر أهم منازلهم: حيث تمركزوا في هجر وانتشروا في باقي أراضي البحرين من حاضرة وبادية فنزل بنو جذيمة بن عوف بن لكيز في الخط وافنائها، وبنو نكرة بن لكيز في القطيف وما حولها والشفار والظهران إلى الرمل وما بين هجر إلى قطر وبينونة، ونزلت شن أفصي طرف القطيف وأدناها إلى العراق بينما بقي في هجر بنو الديل وهم عمرو وأبناؤه (محارب وعجل) وبقي معهم بنو عامر بن الحارث ثم خرج من بينهم قسم السكن العيون [أ] واتجه قسم آخر وسكنوا الجوف (جوف البحرين شمال الأحساء، صلاصل وما جاورها)، وهناك العديد من القرى والأماكن الأخرى التي ذكرت لعبد القيس في البحرين وأطراف عمان[4] . فقد كانت لها السيطرة على الساحل وغالب الأراضي وفي هذا اقتبس الأخنس بن شهاب التغلبي من أبيات آل أسعد اليماني في الأزد ونزولهم البحرين، فقال الأخنس مفتخراً بأبناء عمه من ربيعة:
لكل أناس في معد عمارة
عروض إليها يلجأون وجانب
لكيز لها البحران والسَّيف كله
وإن يأتها بأس من الهند كارب
غزو عبد القيس لفارس والانتقام الذي عاد عليهم وعلى غيرهم من العرب
كانت عبد القيس من القبائل العربية المجاورة لهذه الدولة العظيمة آنذاك، وعند وفاة الملك (هرمز بن نرسي بن بهرام) فلم يكن له سوى ولد رضيع (سابور) فطمعت بعض القبائل العربية بدخول تلك الأراضي. فسار جمع عظيم من عبد القيس وقبائل البحرين إلى بلاد فارس فهجموا على أبرشهر وسواحل أردشيرخره وأسياف فارس فغلبوا أهلها على مواشيهم ومعايشهم وأكثروا الفساد في أرضهم.
ولما بلغ عمر سابور 16 سنة واستشعر المسؤولية فأخذ يعد العدة ويجهز الجيوش، فسأله رؤساء أصحابه أن يقيم في عاصمة ملكه ويوجه القواد والجنود ليكفوه ما يريد، فأبى واختار من جنده ألف فارس من صناديد جنده وأبطالهم فسار بهم على القبائل العربية التي اقتطعت جزءاً من ملكه فقتل منهم عدداً كبيراً وأسر أعداداً أخرى وهرب الباقون إلى مواطنهم فتتبعهم وقطع البحر إلى البحرين فدخل القطيف والخط فقتل أهلها أشد تقتيل ثم دخل هجر وبها أناس من عبد القيس وتميم وبكر بن وائل فأفشى بينهم القتل وأكثر القتلى من عبد القيس ثم عطف على باقي مدن عبد القيس واحدة تلو الأخرى يقتل من يقتل ويهرب منه من يهرب. ثم قصد اليمامة فأكثر من أهلها القتل وغور مياه الطرق ثم سار إلى تغلب وبكر فيما بين مناظر الشام والعراق فقتل وسبا وغور مياههم وكان ينزع أكتاف الرجال وهم أحياء فسمي ذا الأكتاف[4] .
ولعبد القيس بطولات وأيام بين العرب نعجز عن حصرها، ولا يتسع المجال لذكر حتى بعضها لكن نكتفي بذكر بيت الشعر الشهير الذي قيل فيهم يوم هزيمتهم لإياد، فأصبح مثلاً يضرب عند العرب:
لقيت شن إياداً بالقنا
طبقاً وافق شن طبقة
كما برز من هذه القبيلة فحول للخطابة والشعر في الجاهلية، أبرزهم الشاعران المثقب والممزق.
والجدير بالذكر هو أن القبيلة وبعد نزولها البحرين مالت للتحضر والاستقرار أكثر منها للبداوة التي كانت تعيشها في تهامة وذلك يعود لعدة عوامل أهمها طبيعة البحرين الجغرافية من انفتاح بحري وخصوبة أراض ووفرة مياه لذلك فقد عرفت عبد القيس في الجاهلية بتميزها في زراعة النخيل ففيهم قالت العرب (عرف النخل أهله). وبقيت كذلك بعد الإسلام، لهذا كان أبناء القبائل الأخرى في قلب الجزيرة يعايرونهم بذلك، وقصة التحكيم بين الفرزدق وجرير مشهورة حين أتى الفرزدق بالصلتان العبدي وقد كان من كبار الشعراء سناً وشعراً، فلم تأت نتيجة التحكيم مرضية لا لجرير ولا للفرزدق الذي طلبه للتحكيم فكان صريحاً في حكمه وقال:
ألا إنما تحظى كليب بشعرها
وبالمجد نهشل والأقارع
أنا الصلتان الذي قد عرفتم
متى ما يحكم فهو بالحكم صادع
أتتني تميم حين هابت قضاتها
فهل أنت للفصل المبين سامع
قضاء امرئ لا يرهب الشتم منكم
وليس له في الحكم منكم منافع
فما رجع الأعشى قضية عامر
وما لتميم في قضائي راجع
فإن يك بحر الحنظلين واحداً
فما تستوي حيتانه والضفاضع
فيا شاعراً لا شاعر اليوم مثله
جرير ولكن في كليب تواضع
ويرفع من شعر الفرزدق أنه
ينوء لحي للخسيسة رافع
يناشدني النصر الفرزدق بعدما
ألحت عليه من جرير صواقع
والحقيقة أن هذه الأبيات نزلت كالصاعقة على الطرفين حيث انه أطرى على رفعة نسب الفرزدق في تميم وتواضع نسب جرير فيهم فأغضب بذلك جرير، وفي نفس الوقت امتدح جرير كشاعر ليس كمثله وأن الفرزدق ما دعاه إلا لينصره من صواعق ذلك الشاعر فأغضب بذلك الفرزدق، وحينها لم يجد الفرزدق ما ينبز به الصلتان العبدي إلا كونه بحرانياً فقال (أما الشرف فقد عرفه وأما الشعر فما للبحراني والشعر) أما جرير فهو أيضاً نبزه بهذا البيت:
أقول ولم أملك سوابق عبرة
متى كان حكم الله في كرب النخل
فرد عليه الصلتان على الفور قائلاً:
أعيّرتنا بالنخل أن كان ملكنا
لود أبوك الكلب لو كان ذا نخل
ثم أكمل البيت خليد عينين العبدي قائلاً:
وأي نبي كان في غير قرية
وما الحكم يا ابن اللؤم إلا مع الرسْل
فرد جرير:
فخل الفخر يا ابن أبي خليد
وأد خراج رأسك كل عام
لقد علقت يمينك رأس ثور
وما علقت يمينك باللجام [6]
ومن الأبيات السابقة نعلم أن عبد القيس كانت تفتخر بتحضرها وممارستها فلاحة النخيل بينما كان الآخرون لا يجدون آنذاك سوى المعايرة والنبز لهم بذلك، وبيت جرير الأخير واضح بإشارته إلى أنهم تركوا البداوة وركوب الخيل وتحولوا لحرث الأرض بالثيران وغيرها.
كما اشتهرت عبد القيس بركوب البحر نظراً لانتشارها على سواحل الخليج وما يتبع ذلك من تجارة وغوص وغيرهما من أمور البحر، وهذا ما شجع العلاء بن الحضرمي في ولايته الثانية على البحرين في عهد الخليفة عمر بن الخطاب على القيام بأول غزوة بحرية في تاريخ الإسلام والتي انطلقت من سواحل القطيف لفتح بعض بلاد فارس، وقد كان القادة البحريون حينها ثلاثة، هم الجارود العبدي والسوار بن همام وهما من مشاهير عبد القيس والثالث هو خالد ابن المنذر بن ساوى التميمي الذي كان والده حاكم البحرين من قبل الدولة الفارسية وهو من راسله النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع المرزبان سيبخت (وكيل كسرى في المنطقة) فأسلما. وقد قام هؤلاء القادة بواجبهم على أكمل وجه ووصلوا بالجيوش إلى بر فارس ودخلوا اصطخر إلا أن الهزيمة العسكرية كانت من نصيبهم وكان ذلك سببا في عزل الحضرمي الذي كان يريد منافسة سعد بن أبي الوقاص في العراق آنذاك. خاصة وأن الخليفة عمر بن الخطاب كان قد نهى بعض الولاة عن الغزوات البحرية مثل عمرو بن العاص، فقام العلاء بهذه الغزوة دون أخذ الإذن [7] .
مكانة عبد القيس الدينية قبل ظهور الإسلام
في الحقيقة هناك شخصيتان من عبد القيس كانت لهما مكانة دينية وعقائدية بارزة قبل الإسلام، لابد من التطرق لهما قبل الدخول في إسلام عبد القيس. وقد قال المسعودي في مروج الذهب:(كان بين المسيح ومحمد في الفترة جماعة من أهل التوحيد ممن يقر بالبعث وقد اختلف الناس فيهم فمن الناس من رأى أنهم أنبياء ومنهم من رأى غير ذلك) وعدد عدة أسماء كان من بينهم هؤلاء الثلاثة:
1- بحيرا الراهب:
وهو من عبد القيس وعند النصارى اسمه (سرجس أو جرجس)
وقد مر عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين كان ابن 12 عاماً مسافراً مع عمه أبي طالب في تجارة فعرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصفته ودلائله وما كان يجده في كتابه ونظر إلى الغمام تظلله حيثما جلس فأنزلهم بحيرا وأكرمهم واصطنع لهم طعاماً ونظر إلى خاتم النبوة بين كتفيه، فآمن به وأخبر عمه بالأمر وحذره ونصحه بالرجوع به [8] .
2- رئاب الشني:
هو من عبد القيس ومن الموحدين المشهورين في الجاهلية على دين عيسى بن مريم عليه السلام. وذكر ابن قتيبة سمع قبل مبعث النبي صلى الله عليه -وآله- وسلم منادياً ينادي خير أهل الأرض ثلاثة رئاب الشني أتحير الراهب وآخر لم يأت بعد (يقصد محمد صلى الله عليه وآله وسلم) فكان لا يموت أحد من ولد أرباب (رئاب) فيدفن إلا ورأوا طشاً على قبره[9] .
3- قس بن ساعدة الإيادي (أسقف نجران):
وهو ليس من عبد القيس لكنه كان ممن تأثر به جميع من بالجزيرة العربية بل والعرب قاطبةً فقد كان من كبار الخطباء، وقد ذكرناه هنا لأنه من الواضح أن له علاقة وثيقة بأهالي البحرين حيث سأل عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفد عبد القيس وهذا قد يشير إلى هذه العلاقة كما أهن قبيلة إياد من القبائل التي سكنت البحرين منذ القدم كما أسلفنا، وقد يكون لوحدة الديانة بين غالبية أهالي البحرين وأهالي نجران في ذلك الوقت وهي النصرانية دور في هذه الصلة والعلاقة. وهو على كل حال كما ذكرنا يعتبر من خطباء العرب وحكمائهم.
قيل عاش 380 سنة وقد سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم حكمته وهو أول من آمن بالبعث من أهل الجاهلية وأول من توكأ على عصا في الخطبة وأول من قال أما بعد في قول، وأول من كتب من فلان إلى فلان.
وذكر ابن حجر قول الجاحظ أن له فضيلة ليست لأحد من العرب لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم روى كلامه وموقفه على جملة بعكاظ وموعظته وعجب من حسن كلامه وأظهر تصويبه وهذا شرف تعجز عنه الأماني وتنقطع دونه الآمال وإنما وفق الله ذلك لقس لاحتجاجه للتوحيد ولإظهاره الإخلاص وإيمانه بالبعث ومن ثم كان قس خطيب العرب قاطبةً.
وفي الوفادة الثانية لعبد القيس قال النبي صلى الله عليه وسلم للجارود: يا جارود هل في جماعة وفد عبد القيس من يعرف لنا قسّا؟ فقال كلنا نعرفه يا رسول الله وأنا من بين القوم كنت أقفو أثره….. إلى أن قال النبي: على رسلك يا جارود فلست أنساه بسوق عكاظ على جمل أورق وهو يتكلم بكلام ما أظن أني أحفظه، فقال أبو بكر يا رسول الله فإني أحفظه كنت حاضراً ذلك اليوم بسوق عكاظ…. إلخ الحديث [10] . مع ملاحظة أن ما يشبه هذا الحديث ورد في عدة مصادر في وفدي بكر بن وائل وإياد.
عبد القيس والإسلام:
في بداية ظهور أمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإن قبائل عديدة أخذت تتبع أخباره فمنهم من لم يسلم لأسباب مختلفة وهؤلاء هم الأغلبية أما القلة فهم من دخلوا في الإسلام طائعين غير مكرهين عليه ومن هؤلاء قبيلة عبد القيس التي دخلت في الإسلام منذ وقت مبكر ومهدت لدخول أغلب سكان البحرين آنذاك في الإسلام حتى أصبحت هذه المنطقة هي ثاني منطقة تدخل في الإسلام بعد المدينة المنورة وقبل فتح مكة وهم أيضاً من بنوا مسجد جواثا [ب] الذي جاء خبره في كتب الحديث (عن أبي جمرة الضبعي عن ابن عباس أنه قال: إن أول جمعة جُمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله في مسجد عبد القيس بجواثا من البحرين)[11] .
وفي قوله تعالى {أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} ذكر بعض المفسرين أن الذين أسلموا طوعاً في السماء هم الملائكة والذين أسلموا طوعاً في الأرض هم الأنصار وعبد القيس، والطبري أضاف عليهم بني سليم [12] .
———————————————————
[1 ] + [2] الكلبي وابن حزم وغيرهما من النسابين
[ 3 ] شرح ديوان ابن المقرب , تحقيق الأستاذ عبدالخالق الجنبي وصاحبيه , ص 929 و 930 و 937 و 958
[أ] العيون هي المنطقة الممتدة من وادي الثليم غرباً حتى بر العقير شرقاً , وفي الثليم كانت بلدة العيون القديمة والتي كان بها منازل آل ابراهيم الذين ينتمي إليهم العيونيون , ويذكر بعض أهالي الأحساء بأن هذه المنطقة كانت تحوي 330 عيناً للماء لذلك سميت هذه المنطقة بالعيون لكن لجفاف معظم عيونها ولموقعها على الحدود الشمالية للأحساء مما جعلها دوماً عرضة لهجمات وغزوات البدو في فترات الإنفلات الأمني حدى بأهاليها على مر العصور للنزوح إلى الداخل لذلك لم يبقى بها حالياً أحداً من سكانها القدامى كعبدالقيس وغيرهم , أما بلدة العيون الحالية فهي بقعة كانت تعرف سابقاً باسم المحترقة , تكونت على أيدي بعض المهاجرين للمنطقة آنذاك والذين كانوا يسكنون بقعة مجاورة لها تسمى طليلة أو طلة ما زالت آثارها باقية , وكليهما شرق بلدة العيون القديمة في وادي الثليم والذي ذكره ابن المقرب في أشعاره عدة مرات .
[ 4] معجم مااستعجم للبكري,ج1,ص81 / صفة جزيرة العرب للهمداني,ص 3و279 / قبائل العرب قبل الإسلام لجواد علي,ج4,ص484
[ 5] الكامل لابن الأثير,ج1,ص32 / تاريخ الأمم والملوك للطبري,ج1,ص100/ العبر وديوان البتدأ والخبر لابن خلدون,ج1,ص258
[ 6 ] طبقات فحول الشعراء لإبن سلام الجمحي ( ص : 105 , 106 )
[ 7 ] تاريخ الأمم والملوك للطبري,ج4, ص79/ البداية والنهاية,لابن كثير,ج7, ص93/ العبر…لابن خلدون,ج2,ص957
[8] + [9 ] المعارف,لابن قتيبة,ص28 / بلوغ الأرب, للألوسي , ج2 , ص258
[10] عيون الأثر في المغازي والسير,لابن سيد الناس,ص26 / مختصر تاريخ دمشق , لابن عساكر ص118
[11] صحيح البخاري,ج1,ص215
[ب] جواثا قرية مندرسة في الأحساء معلوم موقعها , وقد تم التنقيب عن ما يعتقد بأنه المسجد المذكور , ويفد إليه الكثير من الزوار والسياح .
[12] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي,ط3 “1387هـ”,ج3,ص128/ جامع البيان عن تفسير آي القرآن (تفسير الطبري) للطبري,ج6,ص567
[13] مسند أحمد ابن حنبل,للإمام أحمد ابن حنبل, استنبول1302هـ 1982م, ج3,ص432
[ج] دارين لفظة كانت تطلق على جزيرة تاروت بالقطيف ودارين إسم لقلعة قديمة كانت بها , وقد بقي اسم دارين يطلق على مكان الفرضة . ثم تكونت في نفس الموقع قرية صغيرة في القرن الماضي بعد انتقال جماعة إليه من قطر , كان منهم أكبر تاجر خليجي في عصره النوخذه الشهير محمد بن عبدالوهاب الفيحاني ومازالت القرية معروفة باسم دارين حتى يومنا هذا .
[14] الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني,ج3,ص236/ شرح صحيح مسلم للنووي,ج1,ص181/ شرح صحيح البخاري للكرماني,ج1,ص211/ الطبقات الكبرى لابن سعد,ج5,ص564
[د] عصر ومحارب هما فرعين من عبدالقيس.
[15] الطبقات الكبرى,لابن سعد,ج5,ص557
[16] نهاية الأرب,للنويري,ج18,ص 65و66
[17] الطبقات الكبرى,لابن سعد,ج1,ص314/ نهاية الأرب,للنويري,ج18,ص 96
[18] البداية والنهاية,لابن كثير,ج5,ص55
[هـ] هجر هنا مطلقة على كامل اقليم البحرين./ [و] المشقّـر كان قصراً شهيراً عند العرب في الجاهلية وبه حادثة يوم المشقر على بني تميم, وقد بنته الفُـرس ابان حكمها للمنطقة على هيكل جبلي مازالت بقاياه حالياً في قرية القارة بالأحساء./ [ز] الزارة كانت من أهم مدن البحرين وأحصنها وموقعها حالياً بجانب قرية العوامية بالقطيف.
[19] + [20] + [21] مسند ابن حنبل,ج4,ص206و207
[22] السيرة الحلبية,للحلبي,ج3,ص253و254
[23] تاريخ الأمم والملوك للطبري,ج2,ص285
[24] الكامل لابن الأثير,ج2, ص336/ البداية والنهاية لابن كثير,ج6,ص369
[25] الطبقات الكبرى,لابن سعد,ج1,ص283
[26] الطبقات الكبرى,لابن سعد,ج6,ص123
[27] فتوح البلدان للبلاذري,ج2,ص924/ المعارف لابن قتيبة,ص115/ أسد الغابة,لابن الأثير,ج2,ص291و292
[28] مروج الذهب للمسعودي,ج3,ص45
[29] أخبار القضاة,لابن حيان,ص306
[30] تاريخ الأمم للطبري,ج4,ص505
[31] ديوان الإمام علي بن أبي طالب , شرح د. يوسف فرحات,ص103
[32] تاريخ هجر , للأستاذ عبدالرحمن الملا,ج2,ص506 و507 و508
[33] رحلة ابن بطوطة,ط3, (دار إحياء العلوم –بيروت) ص287
[34 ] عنوان المجد في تاريخ نجد,لعثمان بن بشر النجدي الحنبلي,ج2,ص5

الجزء الثاني
قبيلة عبدالقيس تاريخ وأمجاد
عبدالقيس والإسلام:
في بداية ظهور أمر النبي محمد- صلى الله عليه وآله وسلم- فإن قبائل عديدة أخذت تتبع أخباره فمنهم من لم يسلموا لأسباب مختلفة، وهؤلاء هم الأغلبية، أما القلة فهم من دخلوا في الإسلام طائعين غير مكرهين عليه، ومن هؤلاء قبيلة عبدالقيس التي دخلت في الإسلام منذ وقت مبكر، ومهدت لدخول أغلب سكان البحرين آنذاك في الإسلام، حتى أصبحت هذه المنطقة هي ثاني منطقة تدخل في الإسلام بعد المدينة المنورة، وقبل فتح مكة، وهم أيضاً من بنوا مسجد جواثا [أ] الذي جاء خبره في كتب الحديث (عن ابي جمرة الضبعي عن ابن عباس أنه قال: إن أول جمعة جُمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت في مسجد عبدالقيس بجواثا من البحرين) [1] .
وفي قوله تعالى: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} ذكر بعض المفسرين أن الذين أسلموا طوعاً في السماء هم الملائكة، والذين أسلموا طوعاً في الأرض هم الأنصار وعبدالقيس، والطبري أضاف عليهم بنو سليم [2] .
وفي هذا يقول فيهم النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- عند وفادتهم الرسمية عليه في المدينة (يا معشر الأنصار أكرموا إخوانكم فإنهم أشباهكم في الإسلام، أشبه شيء أشعاراً وأبشاراً اسلموا طائعين غير مكرهين ولا موتورين) [3] .
وتعود قصة بدء إسلام عبدالقيس وباقي أهالي البحرين الى ما قبل هجرة النبي- صلى الله عليه وسلم- الى المدينة، وقيل أن ذلك كان سنة الهجرة الى المدينة.
وهي أن المنذر بن عائذ بن الحارث العبدي – (الذي لقبه النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- بالأشج) – كان صديقاً لراهب ينزل بدارين (ج) فكان يلقاه في كل عام فأخبره بأن نبياً يخرج بمكة يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه علامة ويظهر على الأديان، وبعدها مات هذا الراهب.
وعند سماع الأشج بخبر محمد- صلى الله عليه وآله وسلم بعث بابن أخته وزوج ابنته عمرو بن القيس ببعض التمر والملاحف وأرسله إلى مكة للتجارة وأوصاه بالتحقق من أمر النبي عليه وعلى آله الصلاة والسلام. (وهناك عدة روايات تدل على الاتصال بين البحرين والحجاز في الجاهلية خاصة في مجال التجارة) فقدم عمرو مكة وأتى النبي- صلى الله عليه وآله وسلم فأعطاه تمرا وقال هذا صدقة فلم يقبله، فبعث إليه بغيره، وقال هذا هدية فقبله، وتلطف حتى نظر إلى ما بين كتفيه فدعاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإسلام فأسلم وعلمه سورة الفاتحة وسورة العلق، وقال له ادع خالك الى الإسلام.
ثم رحل الى هجر وبحوزته كتاب من الرسول صلى الله عليه وسلم الى جماعة عبدالقيس فلما وصل كتمه أياماً، فاطلعت عليه امرأته وهو يصلي ويقرأ فأنكرت عليه ذلك وذكرته لأبيها فقالت: أنكرت بعلي منذ قدم أنه يغسل أطرافه ويستقبل الجهة فيحني ظهره مرة ويحني جبينه مرة ذلك ديدنه منذ أن قدم. فتلاقيا فتحدثا فوقع الإسلام في قلب الأشج، ثم قام الى قومه من عصر ومحارب [د] بكتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقرأه عليهم فوقع الإسلام في قلوبهم [4] .
ثم بعد الفتح وبعد أن راسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الملوك والأمراء في أصقاع الأرض، وبعد انتشار الإسلام. قامت عبدالقيس بوفادتها الرسمية الأولى على الرسول صلى الله عليه وسلم ويرأس الوفد المنذر بن عائذ (الأشج)، وقد اختلف الرواة في عدد الوفد لكن أقلهم هو ما ذكره ابن حجر بأنهم كانوا ثلاثة عشر راكباً.
وقد ذكر ابن سعد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو من طلب من الأشج أن يرسل وفداً من البحرين يأتيه بالمدينة [5] ، وكذلك ذكر النويري ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتب الى أهل البحرين أن يقدم اليه عشرون رجلاً فقدموا عليه يرأسهم الأشج [6] .
ولهذه الوفادة روايات طويلة وتفاصيل كثيرة، وقد ذكر منها كل من البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه فدونوها برواياتها وطرقها المختلفة، وسنحاول إلقاء الضوء على بعض ما جاء من هذه الروايات.
وفي الرواية ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نظر الى الأفق صبيحة ليلة قدموا فقال: ليأتينّ ركب من المشرق لم يكرهوا على الإسلام، وقد انضوا الركاب وأفنوا الزاد بصاحبهم علامة، اللهم اغفر لعبدالقيس أتوني لا يسألوني مالاً، هم خير أهل المشرق [7] .
فلما بشر الرسول – صلى الله عليه وسلم – بخروج عبدالقيس، قام عمر وقصد نحوهم فقال من القوم؟ قالوا من عبدالقيس، قال فما أقدمكم هذه البلاد التجارة؟ قالوا لا، قال أما أن رسول الله قد ذكركم آنفاً فقال خيراً، ومشى معهم حتى أتى النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – فقال للقوم هذا صاحبكم الذي تريدون فرموا بأنفسهم عن ركائبهم فمنهم من مشى اليه ومنهم من سعى حتى اتى النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – فابتدروه وأخذوا يده يقبلونها وتخلف الأشج، وجعل رسول الله يسألهم أيكم عبدالله الأشج؟ فيقولون أتاك يا رسول الله وكان قد وضع ثياب سفره وأخرج ثياباً حسنة فلبسها.. الى ان قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (فيك خصلتان يحبهما الله تعالى، فقال وما هما؟ قال النبي: الحلم والأناة) [8] .
وأنزلهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم دار رملة بنت الحارث وأقاموا عشرة أيام يسألون النبي فيها عن الفقه والقرآن، وهي فترة طويلة بالنسبة لغيرهم من الوفود.
* وفي رواية، سألهم عن أعز مدن هجر [د] فقالوا: المشقّر [و] ، قال: فوالله لقد دخلتها وأخذت إقليدها، ووقفت على عين الزارة [ز] . ثم قال (اللهم اغفر لعبدالقيس إذ أسلموا طائعين غير كارهين غير خزايا ولا موتورين إذ بعض قومنا لا يسلمون حتى يخزوا ويوتروا)، وابتهل وجهه ثم استقبل القبلة فأخذ يدعو لعبدالقيس ثم قال: (إن خير أهل المشرق عبدالقيس)، ثم أقبل على الأنصار فقال: يا معشر الأنصار أكرموا إخوانكم فإنهم أشباهكم في الإسلام [9] .
وكان يطمئن عليهم ويسألهم: كيف رأيتم كرامة اخوانكم لكم وضيافتهم إياكم، فقالوا خير إخوان ألانوا فرشنا وأطابوا مطعمنا وباتوا وأصبحنا يعلموننا كتاب ربنا وسنة نبينا، فأعجب النبي وفرح لذلك ثم أقبل عليهم رجلاً رجلاً يعرضهم على ما تعلموه وما علموه، فمنهم من تعلم التحيات وأم الكتاب والسورة والسورتين والسنة والسنتين [10] .
ومما جاء في الروايات أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سألهم: هل معكم من أزوادكم شيء؟ ففرح القوم بذلك وابتدروا رحالهم فأقبل كل رجل منهم معه صرة من تمر فوضعوها على نطع بين يديه فأومأ بجريدة في يده كان يختصر بها فوق الذراع ودون الذراعين فقال اتسمون هذا التعضوض؟ قالوا نعم، ثم أومأ الى صرة أخرى فقال أتسمون هذا الصرفان؟ قالوا نعم، ثم أومأ الى صرة فقال اتسمون هذا البرني؟ قالوا نعم فقال رسول الله أما إنه خير تمركم وأنفعه لكم، فلما رجعوا الى بلاد هجر أكثروا الغرز منه وعظمت رغبتهم فيه حتى صار معظم تمرهم ونخلهم البرني [11] . وفي رواية أن أحدهم قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لو كنت ولدت في جوف هجر ما كنت بأعلم منك الساعة، اشهد أنك رسول الله، فقال لهم:( إن أرضكم رفعت إليّ منذ قعدتم فنظرت من أدناها الى أقصاها) [12] .
وقد كان لعبدالقيس وفادة ثانية، لها أيضا رواياتها التي لا يتسع المجال لذكرها، وفيها أسلم الصحابي الجليل الجارود بن عمرو بن المعلا، وقد كانت مع عبدالقيس في الوفادة الثانية شخصيات من قبائل (بحرانية) أخرى مثل سلمة بن عياض الازدي.
والجارود هذا كان من زعماء وخطباء البحرين وهو الذي في أيام الردة وبعد رجة بكر بن وائل وتميم في البحرين، قام خطيباً بجمع من عبدالقيس فقال: تعلمون أنه كان لله أنبياء فيما مضى؟ قالوا نعم، قال تعلمونه أو ترونه؟ قالوا لا بل نعلمه قال فما فعلوا؟ قالوا ماتوا، قال: فإن محمداً مات كما ماتوا وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، قالوا ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وإنك سيدنا وأفضلنا [13] .
وقد ثبتت عبدالقيس على الإسلام أيام الردة حتى حين حاصر المرتدون جماعة منهم في قرية جواثا أرسلوا رسالة شعرية يطلبون فيها النجدة من خليفة المسلمين آنذاك وغيره من أمة الإسلام في مدينة رسول الله، وهي قصيدة لعبدالله بن حذف جاء في مطلعها:
ألا أبلغ أبا بكراً رسولاً
وفتيان المدينة أجمعينا
فهل لكم إلى قوم كرام
قعود في جواثا محصّرينا[14]
وقد كشفت بعض المصادر عن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يراسل رؤساء عبدالقيس بشكل خاص إضافة الى غيرهم لما لهم من مكانة في البحرين وقد جاء في رسالته لهم: (من محمد رسول الله الى كبير عبدالقيس، إنهم آمنون بأمان الله وأمان رسوله على ما أحدثوا في الجاهلية من القحم وعليهم الوفاء بما عاهدوا ولهم ألا يحبسوا عن طريق المسيرة ولا يمنعوا صوب القطر ولا يحرموا حريم الثمار عند بلوغه، والعلاء بن الحضرمي أمين رسول الله على برها وبحرها وحاضرها وسراياها وما خرج منها، وأهل البحرين خفراؤه من الضيم وأعوانه على الظالم وأنصاره في الملاحم عليهم، بذلك عهد الله وميثاقه لا يبدلون قولاً ولا يريدون فرقة ولهم على جند المسلمين الشركة في الفيء والعدل في الحكم والقصد في السيرة حكم لا تبديل له في الفريقين كليهما والله ورسوله يشهد عليهم) [15] .
وقد كان من عبدالقيس مجموعة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورواة لأحاديثه أشهرهم الأشج والجارود اللذان ذكرناهما وآخر لا يمكن إغفاله وهو زيد بن صوحان العبدي الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (تقطع يده في سبيل الله ثم يتبع الله آخر جسده بأوله) [16] ، وفي رواية (تسبقه يده الى الجنة ثم يتبعها سائر جسده) [17] . وصدق رسول الله صلى اله عليه وآله وسلم حيث قطعت يد زيد في يوم جلولاء، وقتل بعدها بثلاثين عاماً يوم الجمل.
ومن الصحابة هرم بن حيان، ومخربة العبدي، وصحار بن عياش، وحكيم بن جبلة، والحارث بن مرة، وأبو نضرة، وإبان المحاربي، وجودان العبدي، وجويرية العصري، وأبو خيرة الصباحي، وعباد العبدي… وغيرهم.
ومن مشاهيرهم أيضاً الصلتان العبدي (شاعر الإمام علي) وصعصعة بن صوحان اخو زيد، وسيحان، وقد كان من فصحاء العرب والمسلمين وهو من قال له ابن عباس في محاورة بينهما (أحسنت يا ابن صوحان إنك لسليل أقوام كرام خطباء وفصحاء ما ورثت هذا عن كلالة) [18] وأبناء صوحان هؤلاء هم من مواليد القطيف بينما كانت نشأتهم في العراق، ومثلهم الكثير من عبدالقيس حيث انتقل الكثير من أهل البحرين للمدن التي أنشأها الخليفة عمر بن الخطاب آنذاك في العراق، وهما البصرة والكوفة، وقد كانت عبدالقيس خمس أخماس البصرة.
وقد كان منهم قاضي البصرة أيام الحجاج، عبدالرحمن بن أذينة، وهو من قال له الحجاج: أنت أكثر كلاماً من الخصم، فقال لأني أكلم الخصم والشاهدين [19] .
وقد شاركت شخصيات من عبدالقيس في أغلب الفتوحات الإسلامية في صدر الإسلام خاصة فتوحات بلاد الشرق ومنها:
البويب، القادسية، المدائن، جلولاء، الأهواز ومناذر، ونهر تيري، فتوحات فارس، فتوحات خراسان، ما وراء النهر، بلاد السغد، بيكند، وقعة الشعب، فتوح السند، فتح افريقية.
ثم وفي فترة الفتن التي حدثت في التاريخ الإسلامي، فقد كان لغالبية عبدالقيس سواء في البحرين أو العراق وقفة لجانب الإمام علي رضي الله عنه، وكانت عبدالقيس من أبرز قبائل ربيعة في جيشه، وقد كان ابن الأشج على أهل هجر في جيش علي في حرب الجمل [20] ، أما في صفين فقد قال الإمام علي لرؤساء ربيعة: (أنتم درعي ورمحي، أنتم أنصاري ومجيبو دعوتي ومن أوثق حي في العرب في نفسي)، وفي صفين أيضاً كان حامل راية ربيعة هو الحضين بن منذر (ابو ساسان) فقال فيها الإمام علي :
لنا الراية الحمراء يخفق ظلها
إذا قيل قدمها الحضين تقدما
ويدنو بها في الصف حتى يزيرها
حمام المنايا تقطر الموت والدما
الى أن قال:
جزى الله قوماً قاتلوا في لقائهم
لدى البأس خيراً ما أعف وأكرما
ربيعة أعني إنهم أهل نجدة
وبأس إذا لاقوا خميساً عرمرما[21]
وقد كان الإمام علي لا يعدل بربيعة أحداً من قبائل العرب سوى همدان. وبذلك فإن قبائل ربيعة أهل البحرين خاصة عبدالقيس وبكر بن وائل وبوقوفهم مع الإمام علي أصبحوا بالتالي مناهضين للحكم الأموي مما جلب عليهم سخط بني أمية، وكذلك الأمر في عهد بني العباس فأصبحوا من المغضوب عليهم، وأهملت البحرين وأصبحت منفى للمعارضين، فكانت أرضا خصبة لكل من أراد الثورة أو الخروج على الحكم منذ عهد الخوارج الى صاحب الزنج الى القرامطة.
ونذكر هنا على عجالة الثورات التي قام بها فقط شخصيات من عبدالقيس [22] :
– تمرد بنو محارب في البحرين – الإقليم – على حكم بني أمية سنة 78هـ، وقد طلب والي البحرين النجدة من الحجاج في العراق آنذاك لكن جيشه كان مشغولاً بمحاربة الأزارقة الخوارج، فأمر عامله في اليمامة بأن يمد والي البحرين بالرجال للقضاء على هذه الثورة.
– حركة الريان النكري في الخط – القطيف -، وقد تمكن من الامر وطرد والي البحرين، لكن الحجاج قام بإرسال جيش سنة 80هـ من 12000 مقاتل بقيادة يزيد بن ابي كبشة ودخلوا الزارة وقتلوا الريان وصلبوه مع مجموعة من أصحابه. وظل مصلوباً حتى قام داود بن محرز – وكلهم من عبدالقيس – في جماعة واستولى على القطيف وأنزل جثة الريان ومن معه وأمر بدفنهم، ثم قضي عليه أيضاً بجيش من الأمويين.
– وفي سنة 78هـ توجه من البحرين الى البصرة أبو معبد الشني وتمركز على مقربة منها وأخذ يهاجم البصرة حتى تصدى له صاحب شرطتها الحكم بن أيوب وقضى عليه.
– سنة 86هـ أيضاً من البحرين في البصرة ثار داود بن النعمان وأيضاً قضى عليه الحكم بن أيوب بعد مقاومة عنيفة.
– ثورة مسعود بن أبي زينب المحاربي في البحرين كانت بعد وفاة عبدالملك بن مروان سنة 86هـ، فطرد عامل الأمويين وسيطر على البحرين، وقضي عليه عندما حاول السيطرة على اليمامة، وبعده ثار أخوه سعيد وأخضع البحرين لسيطرته، لكن سرعان ما سقط نتيجة اختلاف داخلي مع أحد معاونيه.
– ثورة سليمان بن حكيم العبدي في البحرين كانت على حكم بني العباس عام 151 هـ وقد استطاع أبو جعفر المنصور إخمادها بإرسال جيش بقيادة عقبة بن سلمة والي البصرة وقد تمكن من قتل سليمان بن حكيم.
– ثورة سيف بن بكير العبدي على الدولة العباسية كانت عام 190هـ، وقد تمكن من السيطرة على هجر. فأرسل الرشيد جيشاً بقيادة محمد بن يزيد بن مزيد، وبعد قتال عنيف استطاع قتل سيف بن بكير.
وهكذا ظلت عبدالقيس مسيطرة على هذا الإقليم فكانت آخر إماراتها هي الدولة العيونية، وقد زار المنطقة ابن بطوبة فقال عن الأحساء (مدينة هجر وتسمى اليوم بالحسا وهي مضرب المثل) كجالب التمر الى هجر، وبها من النخيل ما ليس ببلد سواها، وأهلها عرب أكثرهم من قبيلة عبدالقيس بن أفصي ) [23] . وقد تحدث المؤرخ النجدي ابن بشر عن أهم قبائل ربيعة ثم قال: ومنازل غالبهم البحرين وهجر والقطيف وحجر اليمامة وما والى هذه المنازل)، [24] . واستمرت زعامات عبدالقيس في هذه المنطقة الى عهد قريب وكان آخرهم اسرة آل حاجي رؤساء (بلاد بن بطال) في العهد العثماني الأخير والمعروفة حالياً بقرية البطالية بالأحساء، وهم من نسل الأمير العيوني مالك بن بطال وإليه تنسب القرية، والتي كانت أساساً جزءا من مدينة الأحساء القديمة، وقد استمر فيهم منصب العمدة في العهد السعودي. وفي الأحساء غيرهم الكثير من الأسر التي تنسب لهذه القبيلة، ولا يتسع المجال للخوض فيهم. كذلك في القطيف كانت لهم الزعامة، وكان آخرهم آل بن جمعة رؤساء القطيف في العهد العثماني الأخير، كما أن من سرايا القطيف آل الخنيزي وآل الجشي وهم من عبدالقيس الذين كانوا يسكنون أوال في الماضي.
وفي الختام نقول:إنه ومقارنة بما جاء عن هذه القبيلة وعن شخصياتها من أخبار متفرقة في بطون الكتب والمراجع، فإن ما سطرناه ما هو إلا قليل بالنسبة لمن سبقونا في هذا المجال، فقد كان للعديد من أبناء المنطقة الشرقية محاولات جادة وفعالة في جمع مثل هذه الأخبار، فنحن لا نجد كتابا يتحدث عن تاريخ المنطقة دون أن يتطرق لقبيلة عبدالقيس بدءا من مخطوطات ديوان ابن المقرب المتناثرة في العديد من مكتبات العالم (والتي قام مؤخراً بجمعها وتحقيقها على أفضل وجه الأستاذ عبدالخالق الجنبي ومن معه)، مروراً بقصيدة الحسين بن ثابت العبدي القطيفي التي ذكرت تفاصيل بطون وفروع هذه القبيلة والتي ذكرها العماد الاصفهاني في كتابه خريدة القصر وجريدة العصر، حتى نصل للمصادر المتأخرة ككتاب تحفة المستفيد للعبدالقادر وتاريخ هجر للأستاذ عبدالرحمن الملا، كذلك المقالات والبحوث التي نشرت عن هذه القبيلة في مجلة الواحة .بينما يبقى من أهم الكتب المعاصرة التي جمعت أخبار هذه القبيلة لحقبة زمنية معينة هو كتاب (قبيلة عبدالقيس منذ ظهور الإسلام حتى نهاية العصر الأموي) للأستاذ عبدالرحيم آل الشيخ مبارك، فهو عمل مهم اختصر الكثير على الباحثين في تلك الفترة، لذلك اعتمدنا عليه هنا بالنسبة للروايات والأحاديث الشريفة الواردة في إسلام القبيلة، ذلك مع ذكر المراجع الأصلية، كما جاءت في الكتاب. وإننا إذ نتطرق لمثل هذه الأعمال فهذا أولاً تقدير منا لأصحابها ثم إرشاد لمن أراد الاستزادة بالرجوع إليها
———————————————————–
[1] صحيح البخاري، ج1، ص 215
[ب] جواثا قرية مندرسة في الأحساء معلوم موقعها، وقد تم التنقيب عما يعتقد بأنه المسجد المذكور، ويفد إليه الكثير من الزوار والسياح.
[2] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ط 3 (1387هـ)، ج 3، ص 128- جامع البيان عن تفسير آي القرآن (تفسير الطبري) للطبري ج6، ص 567
[3 ] مسند أحمد بن حنبل للإمام أحمد بن حنبل، ج3، 432
[ج] دارين لفظة كانت تطلق على جزيرة تاروت بالقطيف ودارين اسم لقلعة قديمة كانت بها، وقد بقي اسم دارين يطلق على مكان الفرضة، ثم تكون في القرن الماضي وفي نفس الموقع قرية صغيرة أسسها جماعة رحلوا اليها من قطر، كان منهم اكبر تاجر خليجي في عصره النوخذة الشهير محمد بن عبدالوهاب الفيحاني، ومازالت القرية معروفة باسم دارين حتى يومنا هذا.
[4] الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني، ج3، ص 236- شرح صحيح مسلم للنووي، ج1، ص 181 – شرح صحيح البخاري للكرماني، ج1، ص 211 – الطبقات الكبرى لابن سعد، ج5، ص 564
[د] عصر ومحارب هما فرعان من عبدالقيس.
[5] الطبقات الكبرى، لابن سعد ج5، ص 557
[6] نهاية الأرب، للنويري، ج 18 ص 65 و66
[7] الطبقات الكبرى لابن سعد ج1 ص 314 – نهاية الأرب، للنويري، ج 18، ص 96
[8] البداية والنهاية، لابن كثير، ج 5، ص 55
[هـ] هجر هنا مطلقة على كامل اقليم البحرين. و- المشقّر كان قصراً شهيراً عند العرب في الجاهلية وبه حادثة يوم المشقر على بني تميم، وقد بنته الفرس ابان حكمها للمنطقة على هيكل جبلي مازالت بقاياه حالياً في قرية القارة بالأحساء. -ز- الزارة كانت من أهم مدن البحرين وأحصنها وموقعها حالياً بجانب قرية العوامية بالقطيف.
[9] + [10] + [11] مسند ابن حنبل، ج4 ص 206 و207
[12] السيرة الحلبية للحلبي، ج 3، ص 253 و254
[13] تاريخ الأمم والملوك للطبري، ج 2، ص 285
[14] الكامل لابن الأثير، ج 2 ص 336 – البداية والنهاية لابن كثير ج 6, ص 369
[15] الطبقات الكبرى، لابن سعد ج 1، ص 283
[16] الطبقات البكرى، لابن سعد، ج 6، ص 123
[17] فتوح البلدان للبلاذري ج 2، ص 924 – المعارف لابن قتيبة، ص 115 – أسد الغابة، لابن الأثير، ج 2، ص 291 و292
[18] مروج الذهب للمسعودي، ج 3، ص 45
[19] أخبار القضاة، لابن حيان، ص 306
[20] تاريخ الأمم للطبري، ج 4، ص 505
[21] ديوان الإمام علي بن أبي طالب شرح د. يوسف فرحات ص 103
[22] تاريخ هجر، للأستاذ عبدالرحمن الملا، ج 2، ص 506 و 507 و 508
[23] رحلة ابن بطوطة، ط 3 (دار إحياء العلوم – بيروت) ص 287
[24] عنوان المجد في تاريخ نجد، لعثمان بن بشر النجدي الحنبلي، ج 2، ص 5
بقلم الباحث: خالد النزر



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*