Search

حركة القرامطة

23dبعد أن قتل صاحب الزنج عام 270 ظهرت في سنة 278 حركة جديدة في الكوفة كانت أشد تأثيرا وقوة من سابقتها وهي حركة القرامطة ، كانت بداية هذه الحركة أن رجلا اسمه حمدان بن الأشعث جاء من خوزستان إلى الكوفة واستقر بمكان يسمى (النهرين) ، وكان “يظهر الزهد والتقشف ويسف الخوص ويأكل من كسب يده ويكثر الصلاة ، فأقام على ذلك مدة ، فكان إذا قعد إليه رجل ذاكره في أمر الدين وزهده في الدنيا وأعلمه أن الصلاة المفروضة على الناس خمسون صلاة في كل يوم وليلة حتى فشا ذلك عنه بموضعه ثم أعلمهم أنه يدعو إلى إمام من آل بيت الرسول فلم يزل على ذلك حتى استجاب له جمع كثير” (ابن الأثير) . أما عن سبب تسمية هذه الحركة بالقرامطة فقد اختلف الباحثون في ذلك على أقوال :
الأول : إن هذا اللقب ينسب إلى حمدان بن الأشعث ، وهذا الإسم لم يكن له أساسا
وإنما انتقل إليه من رجل آخر كان يسمى كرميتة لحمرة عينيه – وكرميته هي كلمة نبطية بمعنى حمرة العينين – وقد انتقل هذا الإسم له نتيجة لحادثة وقعت بينه وبين هذا الرجل وهي أن حمدان كان طريحا في الطريق بسبب مرضه فمر به كرميته وأخذه إلى بيته ولم يفارقه حتى شفي ولذلك أطلق اسم كرميته على حمدان ، ثم خفف هذا الإسم فصار قرمط ، ومن القائلين بهذا الرأي الطبري في تاريخه وابن الأثير في كامله .
الثاني : إن هذا اللقب ينسب إلى حمدان بن الأشعث ، وقد أطلق عليه هذا الاسم لأنه كان قصير القامة والسير وكانت خطواته متقاربة ، ومن معاني القرمطة في اللغة مقاربة الخطو ، وقد نسب هذا القول للمقريزي في كتابه اتعاظ الحنفاء كما يذكر ذلك العاتي في محاضراته حول الأديان والمذاهب .
الثالث : إن هذا اللقب لا ينسب إلى حمدان بن الأشعث وإنما ينسب إلى أبي سعيد الجنابي الذي يعد من أبرز قادة هذه الحركة ، وقد ذكر هذا الرأي الشيخ عباس القمي في كتابه الكنى والألقاب حيث يقول : “والقرمطة تقارب الشئ بعضهم من بعض ، يقال خط مقرمط وشئ مقرمط إذا كان كذلك ، وكان أبو سعيد المذكور(سلفا ويقصد الجنابي) قصيرا مجتمع الخلق أسمر كريه المنظر ولذلك قيل له قرمطي” .
الرابع : إن هذا اللقب ينسب إلى شخص اسمه محمد الوراق ، وعرف بالمقرمط الكوفي وهو أول من أظهر مذهب القرامطة ، وقد ذكر هذا الرأي الذهبي في كتابه تاريخ الإسلامي ضمن آراء ثلاثة حول بداية حركة القرامطة ، ومن الملاحظ على هذا الرأي أنه يخالف ما اتفق عليه الباحثون من أن بداية هذه الحركة كانت على يد حمدان بن الأشعث ، كما أنه لم يتعرض لسبب إطلاق لقب (المقرمط) على محمد الوراق وإنما اكتفى بذكر اللقب دون ذكر سببه .
ومن الجدير بالذكر هنا أن الطبري وابن الأثير لم يصرحا بأن ابتداء القرامطة كان على يد حمدان بن الأشعث وإنما هذا ما يمكن أن يفهم من أقوالهما ، فالطبري مثلا حينما يتعرض لكيفية ابتداء هذه الحركة يقول بأن رجلا من خوزستان قدم الكوفة وكان يظهر الصلاح والاستقامة ، ثم يذكر كيف أنه مرض وكيف أخذه كرميته إلى بيته ومن ثم انتقل اسم كرميته لهذا الرجل ، ويواصل كلامه عن هذا الرجل ثم يقول بأنه قد ذهب للشام وغاب خبره ، ثم بعد ذلك يقول ، وقيل إن “قرمط رجل من سواد الكوفة كان يحمل غلات السواد على أثوار له ، يسمى حمدان ويلقب بقرمط” ، فالطبري لم يذكر أن الرجل الذي جاء من خوزستان اسمه حمدان ، وإنما اكتفى بالقول أن رجلا جاء إلى الكوفة من خوزستان ولم يذكر اسمه ، ولكنه بعد ذلك يذكر اسم حمدان في مقطع آخر وكأنه رأي آخر ليس بالضرورة أن يكون مكملا للمقطع الأول ، وعلى أساس ذلك فإن القول بأن الطبري ينسب حركة القرامطة إلى حمدان بن الأشعث قائم على أساس الجمع بين المقولتين اللتين ذكرهما الطبري وعلى أساس أنه لم يذكر القول الثاني إلا استكمالا للأول ، أما إذا لم نؤسس فهمنا على هذا الأساس فلا يمكننا نسبة هذا الرأي للطبري ، والكلام حول الطبري هو نفس الكلام حول ابن الأثير .
على كل حال ، ظهر هذا الرجل في الكوفة سنة 278للهجرة وأخذ يدعو الناس إلى ما كان يؤمن به ، ومما أمر به أن القبلة والحج إلى بيت المقدس وأن الجمعة يوم الإثنين ، وأن الجنابة لا تحتاج إلى غسل وإنما يكفيها الوضوء لترتفع ، وأن الخمر حلال ، والصوم يومان يوم المهرجان ويوم النيروز ، وأن من حاربه وجب قتله ومن لم يحاربه وخالطه أخذ منه الجزية ، ولم يكتف بذلك بل طلب من كل شخص أجابه أن يدفع له دينارا وزعم أنه للإمام ، ثم أنه اتخذ من أصحابه اثنى عشر نقيبا وأمرهم بالدعوة إلى مذهبه وأنهم كحواريي عيسى بن مريم (ع) .
ومما أمر به أن الصلوات المفروضة عددها خمسون صلاة ، ونتيجة لهذه الصلوات الكثيرة التي أمر بها أتباعه فإن المشتغلين في الضياع كانوا يقصرون في عملهم ، وكان شخص اسمه الهيصم يملك ضياعا فلما رأى تقصير العمال سأل عن السبب فعرف الرجل وما ذهب إليه فأخذه وحلف أن يقتله ، فحبسه في بيته ووضع المفتاح تحت الوسادة وأخذ يشرب حتى نام ، فرقت احدى جواريه على الرجل المسجون فأخذت المفتاح وأخرجته من السجن ووضعت المفتاح مكانه ، فلما استيقظ الهيصم ذهب ليقتل الرجل فلم يجده ، وانتشرت هذه الحادثة فافتتن بها الناس وقالوا بأنه قد رفع ، ثم ذهب إلى منطقة أخرى ولقيه بعض أصحابه وغيرهم فسألوه عن هذه الحادثة فأجابهم بأنه ليس بامكان أحد أن يصيبه بسوء فعظم في نفوسهم ، ولأنه كان خائفا على نفسه فقد توجه للشام وخفي ذكره .
أما كيف كانت بداية هذه الحركة في البحرين فيقال أنه في عام 281جاء إلى القطيف رجل يعرف بيحيى بن المهدي وقد نزل عند رجل اسمه علي بن المعلى بن حمدان وكان من غلاة الشيعة ، وقد زعم يحيى بأن الإمام المهدي بن الحسن (ع) قد قرب ظهوره وأنه رسول من قبله وعنده كتاب من عنده ، فجمع المعلى شيعة القطيف وقرأ عليهم الكتاب الذي جاء به يحيى زاعما أنه من عند الإمام المهدي (ع) ، فأظهروا استعدادهم للخروج مع الإمام إن ظهر ، وأرسل المعلى إلى باقي قرى البحرين أيضا يخبرهم بالأمر فأجابوه بالاستعداد ، وكان ممن أجابه أبو سعيد الجنابي الذي سيأتي ذكره بعد قليل ، وبعدها غاب يحيى ثم عاد بعد مدة وعنده كتاب زعم أنه من الإمام المهدي ومما جاء فيه : “قد عرفني رسولي يحيى بن المهدي مسارعتكم إلى أمري فليدفع إليه كل رجل منكم ستة دنانير وثلثين ففعلوا ذلك” (ابن الأثير) ، ثم غاب يحيى وعاد مرة أخرى وزعم أن عنده كتابا من الإمام المهدي أيضا يأمرهم فيه بأن يدفعوا إليه الخمس .
بعد ذلك وفي عام 286ظهرت في البحرين شخصية مهمة في حركة القرامطة هي شخصية أبي سعيد الجنابي ، اسمه الحسن بن بهرام ، وأصله من قرية تسمى جنابة ، وقد ذكرها ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان بقوله :” جنابة : بالفتح ثم التشديد ، وألف ، وباء موحدة : بلدة صغيرة من سواحل فارس” ، كان أبو سعيد يعمل دقاقا في جنابة ثم نفي وجاء البحرين وعمل فيها تاجرا ، ويذكر الشيخ عباس القمي في كتابه الكنى والألقاب بأنه كان “قصيرا مجتمع الخلق أسمر كريه المنظر” ، ظهر هذا الرجل في البحرين عام 286للهجرة وكثر أصحابه وقوي أمره فأعمل السيف في أهل القرى المجاورة وذهب للقطيف وقتل من بها وهاجم نواحي هجر ، ثم أظهر عزمه للهجوم على البصرة فأرسل عاملها للخليفة العباسي المعتضد يخبره بالأمر فأمره ببناء سور حول البصرة وقد كلفه ذلك أربعة عشر ألف دينار ، ولكن السور لم يكن ليمنع من هجوم القرامطة فكتب معاون البصرة للمعتضد يريد المدد فأرسل له 300رجل ، وأمر المعتضد باختيار جيش وإرساله للبصرة ، وفي العام نفسه ولى المعتضد عباس بن عمرو الغنوي على البحرين واليمامة وأمره بقتال أبي سعيد والقرامطة وزوده بجيش قوامه 2000 رجل فذهب للبصرة ومنها للبحرين واليمامة ، ثم خرج عباس من البصرة بجيشه مع بعض المتطوعة من البصرة لقتال أبي سعيد واقتتل الطرفان وكانت النتيجة أن أسر عباس وأسر معه ما يقرب من 700 من جنده وقام الجنابي بقتل الأسرى وإحراقهم وأطلق سراح عباس ليحكي ما رآه للمعتضد ، وبعد هذا القتال أغار الجنابي على هجر ، واستطاع الاستيلاء على أرض البحرين كلها ، وفي العام نفسه 287فام الجنابي بغزو كلدة وبعد عامين دخلوا الشام فخربوها كما يذكر ذلك السيد أمير علي في كتابه مختصر تاريخ العرب .
وفي سنة 301قتل أبو سعيد الجنابي بواسطة أحد خدامه ، ويذكر الذهبي ذلك في كتابه تاريخ الإسلام بقوله :”قتل أبو سعيد الجنابي القرمطي المتغلب على هجر ، قتله غلامه الخادم الصقلبي لكونه أراده على الفاحشة ، فلما دخل إليه قتله” ، كما يذكر الشيخ عباس القمي بأن الجنابي قد قتل في الحمام على يد أحد خدامه ، أما ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان فيقول بأنه قتل على فراشه ، ويمكن التوفيق بين رواية الذهبي والقمي بالقول بأن الخادم قتل الجنابي حينما دخل الأخير عليه وهو يريد به الفاحشة ، ولكن رواية الحموي لا سبيل للتوفيق بينها وبين غيرها .
بعد اغتيال الجنابي تشكلت هيئة من القادة العسكريين عرفت بالعقدانية واستمرت في حكمها لتسع سنوات حتى يكون سعيد (وهو الابن الأكبر لأبي سعيد الجنابي) مؤهلا لاستلام السلطة ، ولكن أخيه سليمان ثار عليه وقيل قتله واستولى على السلطة وبايعته العقدانية كما كتب إليه عبد الله بن المهدي أول الخلفاء الفاطميين فاستقر له الحكم ، واستمد شرعيته من الخلافة الفاطمية المعادية للعباسيين .
وبعدما وقع الخلاف بين العقداينة وأهل البحرين نقل أبو طاهر عاصمته إلى الأحساء حيث بنى مدينة المؤمنية عام 314للهجرة (محمد سعيد المسلم) ، ويذكر حسن الأمين بأن أبا طاهر هو الذي بنى الأحساء وحصنها وذلك عام 317على أنقاض مدينة هجر التي دمرها القرامطة بعد حصار دام ثلاث سنين ، وفي عهد أبي طاهر قام القرامطة بالهجوم على البصرة وكانوا يهاجمون الحجاج وهم في طريقهم لبيت الله الحرام ، وما كفاهم ذلك حتى قاموا بالهجوم على البيت الحرام في عام 317 فنهبوا الحجيج وقتلوهم في يوم التروية وقلعوا الحجر الأسود وباب الكعبة وأراد أحدهم أن يقلع الميزاب فسقط ومات ، ونهبوا دور أهل مكة ، وقد ركب أبو طاهر على سطح الكعبة وأخذ يقول : أنا بالله وبالله أنا يخلق الخلق وأفنيهم أنا ، وقام بأخذ كسوة الكعبة وقسمها على صحبه ، ورمى بالقتلى في بئز زمزم ودفن الباقين في الحرم بلا غسل ولا كفن ولا صلاة ، وأنفذ الحجر الأسود إلى هجر وقد عرضت عليه خمسون ألف دينار لرد الحجر فلم يقبل ولم يرجع القرامطة الحجر إلا عام 339 أي بعد 22 عاما .
ونتيجة لهذه الحادثة أرسل عبيد الله المهدي الخليفة الفاطمي إلى أبي طاهر ووبخه ولعنه على جريمته تلك ، وهب المسلمون لمحاربة هذه الطغمة الفاسدة .
وبعد هذا التاريخ الأسود تقطع جسد أبي طاهر بالجدري كما يذكر الطبري ، إلا أن القمي يرى بأنه قد قتل وكان ذلك سنة 332للهجرة .
بعد أبي طاهر آل الحكم إلى أخيه أحمد أبي المنصور الذي قام برد الحجر الأسود ولكنه لم يستمر في الحكم حيث ثار عليه أكبر أبناء أبي طاهر واسمه سابور ونصب نفسه حاكما وألقى بعمه في السجن ، لكن أحد أخوة سابور لم يقبل بذلك فثار على أخيه وأخرج عمه من السجن وقام أبو المنصور باعدام سابور ، وبعد وفاة أبي المنصور أصبح ولده الحسن والملقب بالأعصم هو قائد القرامطة ، وبعد وفاته عام 366 قام القرامطة بانقلاب على أسرة أبي سعيد الجنابي التي ظلت تحكم القرامطة منذ ظهور أبي سعيد في البحرين عام 286 ، وتم تشكيل مجلس عرف بمجلس السادة ، أعضاؤه ثمانية وفي رئاسته اثنان هما اسحاق وجعفر ، ونظرا لاعلان هذا المجلس لولائه للدولة الفاطمية فقد ساءت علاقته مع الدولة العباسية ، ودخل في حروب بسبب ذلك ، كما وقعت الخلافات بين قطبي الرئاسة اسحاق وجعفر مما سهل عملية القضاء على هذه الحركة ، واستمرت الحروب والنزاعات الداخلية حتى تم القضاء على دولة القرامطة عام 398هجرية حينما قام الأصفر بن أبي الحسن الثعلبي بالاستيلاء على قاعدتهم الأحساء ، وقد بدأت هذه الدعوة في البحرين منذ أن جاءها يحيى بن المهدي عام 281 ، وقويت على يد أبي سعيد الجنابي عام 286 وتم القضاء عليها عام 398 ، ما يعني أنها استمرت في البحرين ما يقرب من 115عاما .
ونذكر في الختام سلسلة بأسماء حكام القرامطة مع ذكر مدة حكومة كل واحد منهم كما جاء في كتاب :”القطيف : واحة على ضفاف الخليج” لمؤلفه محمد سعيد المسلم مع شئ قليل من التصرف :
1- أبو سعيد الحسن بن بهرام الجنابي : 286-301 .
2- أبو طاهر سليمان بن الحسن : 301-332 ، (ويبدو أن المسلم غفل عن السنوات التي فصلت بين وفاة أبي سعيد وحكم ابنه سليمان وهي التي كانت تحكم بواسطة هيئة العقدانية وهي تسع سنوات كما ذكر هو نفسه في صفحة 210)
3- أحمد بن الحسن (أبو المنصور) : 332-358 ، 359-359 ، (حكم أبو المنصور في فترتين تخللتهما حكومة ابن أخيه سابور الذي ثار عليه ، وقد أوضحنا ذلك أعلاه) .
4- سابور بن سليمان : 358-359 .
5- الحسن بن أحمد (الأعصم) : 359-363 ، (هذا ما ذكره المسلم والصحيح أن نهاية حكم الأعصم كانت عام 366 كما ذكر هو نفسه في صفحة 212) .
6- مجلس السادة : 363-398 (هذا ما ذكره المسلم والصحيح أن بداية حكومة مجلس السادة كانت منذ وفاة الأعصم عام 366كما أشار في صفحة 212) .
المصادر :
1- تاريخ الطبري ، للطبري .
2- الكامل في التاريخ ، لابن الأثير .
3- تاريخ الإسلام ، للذهبي .
4- تاريخ الخلفاء ، للسيوطي .
5- مختصر تاريخ العرب ، للسيد أمير علي .
6- معجم البلدان ، لياقوت الحموي .
7- الكنى والألقاب ، للشيخ عباس القمي .
8- دائرة المعارف الإسلامية الشيعية ، لحسن الأمين .
9- القطيف : واحة على ضفاف الخليج ، لمحمد سعيد المسلم .
بقلم الباحث: حسن عبد الله- البحرين



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*