Search

العجوز والبحر… صياد لؤلؤ في البحرين علمته الحرفة الرجولة

العجوز والبحر… صياد لؤلؤ في البحرين علمته الحرفة الرجولة

المنامة – (رويترز)

جلس بملابسه البيضاء وسط مجموعة من الصحفيين حاولوا ان يستخرجوا منه اسرار البحر كما كان يحاول استخراج اللؤلؤ من محاره قبل أكثر من 65 عاما.كان محمد حسين خليفة بن خاتم (76 عاما) يستمع بتركيز الى وابل من الاسئلة تجيئه من كل جانب بعد ان تحلقت حوله مجموعة من الصحفيين في دار للمسنين حيث يعيش الآن. تذكره الصحفيون فجأة بمناسبة احتفال البحرين السنوي بيوم دشة الغوص اي النزول الى الغوص الذي تحتفل به البلاد في اكتوبر تشرين الاول من كل عام لاحياء حرفة تضررت كثيرا منذ ان هجرها البحارة واتجهوا لصناعة النفط التي غيرت وجه البلاد في بداية الثلاثينات من القرن الماضي ومنذ ان روجت اليابان للؤلؤ الصناعي المزروع فأصابت سوق اللؤلؤ الطبيعي بكساد قاتل.في الطريق الى دار المسنين لاحت في الافق سفينتان يبنيهما البحارة من تصميمات من الذاكرة من خشب جلب خصيصا من نيبار بالهند ليوم الدشة في أكتوبر من العام القادم.

كان فيهما ملمح من مراكب الشمس الفرعونية القديمة. منذ العام الماضي ابتدعت محافظة المحرق البحرينية تقليدا سنويا لاحياء تراث الغوص وصيد اللؤلؤ الذي عشقته منذ الاف السنين حين كانت تلك المهنة أهم مظهر للعيش فيها طوال قرون والتي سجلتها النقوش والحلي والاثار الدلمونية وهي حضارة محلية وجدت على أرض جزيرة مملكة البحرين وواكبت الحضارة السومرية في بلاد ما بين النهرين.بدا صائد اللؤلؤ البحريني المسن قوي البنية تركت الشمس بصمتها على بشرته الداكنة كما تركت مهنة الغوص بصمتها على سمعه الثقيل فكان يطلب بصبر اعادة السؤال الذي أفلت منه. كان يتمايل في جلسته وكأنه في هذه اللحظة المعاشة يحاور البحر ويناوره.

حكى وهو يلوح بقبضته في الهواء كيف علمه البحر ان يكون رجلا وقال البحر علمني المريلة والمرايل.كانت مهنة صيد اللؤلؤ التي تعلمها وهو في العاشرة من عمره هي مهنة ابائه وأجداده الذين اعتقوا من الرق بعد موت سيدهم بعد قرار الغاء الرق في البحرين في النصف الاول من القرن العشرين. كانت هي المهنة المتاحة قبل ان يغير اكتشاف النفط في بداية الثلاثينات وجه المنطقة.ويقول بن خاتم الشركة. ما كان في شركة مشيرا الى شركة ( بابكو) شركة نفط البحرين أول شركة نفط تعمل في البلاد والتي اسستها عام 1929 شركة ستاندارد أويل في كاليفورنيا واكتشفت النفط في البلاد لاول مرة عام 1932 .كان قارب صيد اللؤلؤ يخرج الى عرض البحر في رحلة تستمر أربعة أشهر وعشرة أيام مقابل أربعة دنانير فقط لكل فرد عن المدة كلها.
كان القارب يحمل ثلاثة أفراد..
الربان الذي يقود القارب والغواص الذي يربط في قدمه حجر حتى يغوص الى القاع والبحار الثالث قوي اليدين الذي يسحب الغواص من القاع حين يعطيه الاخير اشارة منتظرة بشد الحبل.ويقول بن خاتم ان الثلاثة يجب ان يكونوا قادرين على تبادل الادوار فان هب الريح لازم الانسان يشتغل كل شيء.كان الحديث عن الغوص ورجالاته ومعاناتهم له طعم خاص يمزج بين ملوحة البحر وحلاوة الفرحة بالعودة غانمين الى الاهل.

أراد بن خاتم ان يثير دهشة الصحفيين فتحدث عن المخاطر التي كان يواجهها غواص اللؤلؤ قبل الثورة التكنولوجية. أسماك القرش وأنواع أخرى كثيرة عدد أسماءها بلهجته المحلية التي صعبت حتى على أهل بلده. يهبط الغواص الى قاع البحر مرتديا ما لا يمتص الكثير من الماء ويغطي جسمه كله حتى يحميه من المواد السامة التي تطلقها بعض الاسماك دفاعا عن نفسها.

وكل ما معه هو سكين لقطع الحبل الذي يربطه بالحجر حين تتقطع أنفاسه والذي قد يضطر لاستخدامه لقطع يده اذا ما أطبق عليها كائن بحري لا يعرفه وهو يمدها لالتقاط لؤلؤة حلمه. أشاع ذلك الهاجس القديم قشعريرة في بدنه فلوح بيده حتى يعاوده الشعور بالاطمئنان ويحس انها موجودة. كان يرتدي في معصمه ساعة يد حديثة وكأنه يعوض بها ما فاته وافتقده طوال سنين مهنة الغوص من تكنولوجيا متطورة. لمعت عيناه وهو يتذكر لؤلؤته الاولى التي اصطادها في أغسطس آب حين كان في الرابعة عشرة من عمره أي بعد أربع سنوات كاملة من المشقة بلا طائل وبلا عون من اي نوع من التكنولوجيا التي يحسد الان عليها غواصي عالم اليوم. ذكرته المقارنة بين تكنولوجيا اليوم واللاتكنولوجيا في أيامه بما أسماه نوعان من الثقافة واحدة عامية وواحدة علمية وقال مشيرا للصحفيين انتم ثقافتكم علمية. ونحن ثقافتنا عامية.أراد بن خاتم ان يقول ان ما تعلمه من البحر لا يقل ثراء عن اللاليء الثمينة التي اشتهرت بها بلاده وقال البحر علمني الصبر والحلم وهما مفتاح حياة خالية من الامراض.

صحبنا ممشوق القوام الى الخارج وتنامى الى سمعنا صوت دف ورقص في غرفة مجاورة جلس فيها عدد من نزلاء الدار وقد توسطهم شيخ (84 عاما) يرقص. أخذ بن خاتم الدف من زميله وأخذ ينقر عليه باصابعه التي استعادت ذاكرتها الموسيقية بسهولة وقال هامسا اطلبوا من الله.
كانت هذه الكلمات التي يرددونها ويتغنون بها على دقات الدف قبل آذان الفجر عند فتح المحار.

العدد : 2608 | الثلاثاء 27 أكتوبر 2009م الموافق 09 ذي القعدة 1430 هـ




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*